قوله تعالى:"قال يا أيها الملؤا أيكم يأتيني بعرشها قبل أن يأتوني مسلمين"كلام تكلم به بعد رد الهدية وإرجاع الرسل ، وفيه إخباره أنهم سيأتونه مسلمين وإنما أراد الإتيان بعرشها قبل حضورها وقومها عنده ليكون دلالة ظاهرة على بلوغ قدرته الموهوبة من ربه ومعجزة باهرة لنبوته حتى يسلموا لله كما يسلمون له ويستفاد ذلك من الآيات التالية.
قوله تعالى:"قال عفريت من الجن أنا آتيك به قبل أن تقوم من مقامك وإني عليه لقوي أمين"العفريت - على ما قيل - المارد الخبيث ، وقوله:"آتيك به"اسم فاعل أو فعل مضارع من الإتيان ، والأول أنسب للسياق لدلالته على التلبس بالفعل وكونه أنسب لعطف قوله:"و إني عليه"إلخ ، وهو جملة اسمية عليه.
كذا قيل.
وقوله:"و إني عليه لقوي أمين"الضمير للإتيان أي أنا للإتيان بعرشها لقوي لا يثقل علي حمله ولا يجهدني نقله أمين لا أخونك في هذا الأمر.
قوله تعالى:"قال الذي عنده علم من الكتاب أنا آتيك"مقابلته لمن قبله دليل
على أنه كان من الإنس ، وقد وردت الروايات عن أئمة أهل البيت (عليهم السلام) أنه كان آصف بن برخيا وزير سليمان ووصيه ، وقيل: هو الخضر ، وقيل: رجل كان عنده اسم الله الأعظم الذي إذا سئل به أجاب وقيل: جبرئيل ، وقيل: هو سليمان نفسه ، وهي وجوه لا دليل على شيء منها.
وأيا ما كان وأي من كان ففصل الكلام مما قبله من غير أن يعطف عليه للاعتناء بشأن هذا العالم الذي أتى بعرشها إليه في أقل من طرفة العين ، وقد اعتني بشأن علمه أيضا إذ نكر فقيل: علم من الكتاب أي علم لا يحتمل اللفظ وصفه.
والمراد بالكتاب الذي هو مبدأ هذا العلم العجيب إما جنس الكتب السماوية أو اللوح المحفوظ ، والعلم الذي أخذه هذا العالم منه كان علما يسهل له الوصول إلى هذه البغية وقد ذكر المفسرون أنه كان يعلم اسم الله الأعظم الذي إذا سئل به أجاب ، وربما ذكر بعضهم أن ذلك الاسم هو الحي القيوم ، وقيل: ذو الجلال والإكرام ، وقيل: الله الرحمن ، وقيل: هو بالعبرانية آهيا شراهيا ، وقيل: إنه دعا بقوله: يا إلهنا وإله كل شيء إلها واحدا لا إله إلا أنت ائتني بعرشها.
إلى غير ذلك مما قيل.
وقد تقدم في البحث عن الأسماء الحسنى في الجزء الثامن من الكتاب أن من المحال أن يكون الاسم الأعظم الذي له التصرف في كل شيء من قبيل الألفاظ ولا المفاهيم التي تدل عليها وتكشف عنها الألفاظ بل إن كان هناك اسم له هذا الشأن أو بعض هذا الشأن فهو حقيقة الاسم الخارجية التي ينطبق عليها مفهوم اللفظ نوعا من الانطباق وهي الاسم حقيقة واللفظ الدال عليها اسم الاسم.
ولم يرد في لفظ الآية نبأ من هذا الاسم الذي ذكروه بل الذي تتضمنه الآية أنه كان عنده علم من الكتاب ، وأنه قال: أنا آتيك به ، ومن المعلوم مع ذلك أن الفعل فعل الله حقيقة ، وبذلك كله يتحصل أنه كان له من العلم بالله والارتباط به ما إذا سأل ربه شيئا بالتوجه إليه لم يتخلف عن الاستجابة وإن شئت فقل: إذا شاءه الله سبحانه.
ويتبين مما تقدم أيضا أن هذا العلم لم يكن من سنخ العلوم الفكرية التي تقبل الاكتساب والتعلم.
وقوله:"أنا آتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك"الطرف - على ما قيل -
اللحظ والنظر وارتداد الطرف وصول المنظور إليه إلى النفس وعلم الإنسان به ، فالمراد أنا آتيك به في أقل من الفاصلة الزمانية بين النظر إلى الشيء والعلم به.
وقيل: الطرف تحريك الأجفان وفتحها للنظر ، وارتداده هو انضمامها ولكونه أمرا طبيعيا غير منوط بالقصد أوثر الارتداد على الرد فقيل: قبل أن يرتد إليك طرفك ولم يقل: قبل أن يرد.
هذا.
وقد أخطأ فالطرف كالتنفس من أفعال الإنسان الاختيارية غير أن الذي يبعث إليه هو الطبيعة كما في التنفس ولذلك لا يحتاج في صدوره إلى ترو سابق كما يحتاج إليه في أمثال الأكل والشرب ، فالفعل الاختياري ما يرتبط إلى إرادة الإنسان وهو أعم مما يسبقه التروي ، والذي أوقع هذا القائل فيما وقع ظنه التساوي بين الفعل الصادر عن اختيار والصادر عن ترو ، ولعل النكتة في إيثار الارتداد على الرد هي أن الفعل لعدم توقفه على التروي كأنه يقع بنفسه لا عن مشية من اللاحظ.