فهرس الكتاب

الصفحة 3218 من 4314

و الخطاب في قوله:"أنا آتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك"لسليمان (عليه السلام) فهو الذي يريد الإتيان به إليه وهو الذي يراد الإتيان به إليه.

وقيل: الخطاب للعفريت القائل: أنا آتيك به قبل أن تقوم من مقامك والمراد بالذي عنده علم من الكتاب عند هذا القائل هو سليمان ، وإنما قاله له إظهارا لفضل النبوة وأن الذي أقدره الله عليه بتعليمه علما من الكتاب أعظم مما يتبجح به العفريت من القدرة ، فالمعنى: قال سليمان للعفريت لما قال ما قال: أنا آتيك بالعرش قبل ارتداد طرفك.

وقد أصر في التفسير الكبير ، على هذا القول وأورد لتأييده وجوها وهي وجوه رديئة وأصل القول لا يلائم السياق كما أومأنا إليه.

قوله تعالى:"فلما رآه مستقرا عنده قال هذا من فضل ربي"إلى آخر الآية ، أي لما رأى سليمان العرش مستقرا عنده قال هذا ، أي حضور العرش واستقراره عندي في أقل من طرفة العين من فضل ربي من غير استحقاق مني ليبلوني أي يمتحنني أ أشكر نعمته أم أكفر ومن شكر فإنما يشكر لنفسه أي يعود نفعه إليه لا إلى ربي ومن كفر فلم يشكر فإن ربي غني كريم - وفي ذيل الكلام تأكيد لما في صدره من حديث الفضل -.

وقيل: المشار إليه بقوله"هذا"هو التمكن من إحضاره بالواسطة أو بالذات.

وفيه أن ظاهر قوله:"فلما رآه مستقرا عنده قال"إلخ ، إن هذا الثناء مرتبط بحال الرؤية والذي في حال الرؤية هو حضور العرش عنده دون التمكن من الإحضار الذي كان متحققا منذ زمان.

وفي الكلام حذف وإيجاز ، والتقدير فأذن له سليمان في الإتيان به كذلك فأتى به كما قال:"فلما رآه مستقرا عنده"وفي حذف ما حذف دلالة بالغة على سرعة العمل كأنه لم يكن بين دعواه الإتيان به كذلك وبين رؤيته مستقرا عنده فصل أصلا.

قوله تعالى:"قال نكروا لها عرشها ننظر أ تهتدي أم تكون من الذين لا يهتدون قال في المفردات: ، تنكير الشيء من حيث المعنى جعله بحيث لا يعرف ، قال تعالى:"قال نكروا لها عرشها"وتعريفه جعله بحيث يعرف."

انتهى.

والسياق يدل على أن سليمان (عليه السلام) إنما قاله حينما قصدته ملكة سبإ وملؤها لما دخلوا عليه ، وإنما أراد بذلك اختبار عقلها كما أنه أراد بأصل الإتيان به إظهار آية باهرة من آيات نبوته لها ، ولذا أمر بتنكير العرش ثم رتب عليه قوله:"ننظر أ تهتدي"إلخ ، والمعنى ظاهر.

قوله تعالى:"فلما جاءت قيل أ هكذا عرشك قالت كأنه هو وأوتينا العلم من قبلها وكنا مسلمين"أي فلما جاءت الملكة سليمان (عليه السلام) قيل له من جانب سليمان:"أ هكذا عرشك"وهو كلمة اختبار.

ولم يقل: أ هذا عرشك بل زيد في التنكير فقيل: أ هكذا عرشك؟ فاستفهم عن مشابهة عرشها لهذا العرش المشار إليه في هيئته وصفاته ، وفي نفس هذه الجملة نوع من التنكير.

وقوله:"قالت كأنه هو"المراد به أنه هو وإنما عبرت بلفظ التشبيه تحرزا من الطيش والمبادرة إلى التصديق من غير تثبت ، ويكنى عن الاعتقادات الابتدائية التي لم يتثبت عليها غالبا بالتشبيه.

وقوله:"و أوتينا العلم من قبلها وكنا مسلمين"ضمير"قبلها"لهذه الآية أي الإتيان بالعرش أو لهذه الحالة أي رؤيتها له بعد ما جاءت ، وظاهر السياق أنها تتمة

كلام الملكة فهي لما رأت العرش وسألت عن أمره أحست أن ذلك منهم تلويح إلى ما آتى الله سليمان من القدرة الخارقة للعادة فأجابت بقولها:"و أوتينا العلم من قبلها"إلخ ، أي لا حاجة إلى هذا التلويح والتذكير فقد علمنا بقدرته قبل هذه الآية أو هذه الحالة وكنا مسلمين لسليمان طائعين له.

وقيل: قوله:"و أوتينا العلم"إلخ ، من كلام سليمان ، وقيل: من كلام قوم سليمان ، وقيل من كلام الملكة ، لكن المعنى وأوتينا العلم بإتيان العرش قبل هذه الحال - وهي جميعا وجوه رديئة -.

قوله تعالى:"و صدها ما كانت تعبد من دون الله إنها كانت من قوم كافرين"الصد: المنع والصرف ، ومتعلق الصد الإسلام لله وهو الذي ستشهد به حين تؤمر بدخول الصرح فتقول: أسلمت مع سليمان لله رب العالمين ، وأما قولها في الآية السابقة:"و كنا مسلمين"فهو إسلامها وانقيادها لسليمان (عليه السلام) .

هذا ما يعطيه سياق الآيات وللقوم وجوه أخر في معنى الآية أضربنا عنها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت