فهرس الكتاب

الصفحة 3101 من 4314

و منها: تخصيصها التسبيح بالذكر مع أن الأشياء تشير إلى صفات كماله تعالى وهو التحميد كما تسبحه على ما يدل عليه البرهان ويؤيده قوله:"و إن من شيء إلا يسبح بحمده"ولعل الوجه فيه كون الآيات مسوقة للتوحيد ونفي الشركاء وذلك بالتنزيه أمس فإن من يدعو من دون الله إلها آخر أو يركن إلى غيره نوعا من الركون إنما يكفر بإثبات خصوصية وجود ذلك الشيء للإله تعالى فنفيه إنما يتأتى بالتنزيه دون التحميد فافهمه.

وأما قوله:"كل قد علم صلاته وتسبيحه"فصلاته دعاؤه والدعاء توجيه من الداعي للمدعو إلى حاجته ففيه دلالة على حاجة عند الداعي المدعو في غنى عنها فهو أقرب إلى الدلالة على التنزيه منه على الثناء والتحميد.

ومنها: أن الآية تنسب التسبيح والعلم به إلى من في السماوات والأرض فيعم المؤمن والكافر ، ويظهر بذلك أن هناك نورين: نور عام يعم الأشياء والمؤمن والكافر فيه سواء ، وإلى ذلك تشير آيات كآية الذر:"و أشهدهم على أنفسهم أ لست بربكم قالوا بلى شهدنا أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين": الأعراف: 172 ، وقوله:"فكشفنا عنك غطاءك فبصرك اليوم حديد": ق: 22 إلى غير ذلك ، ونور خاص وهو الذي تذكره الآيات ويختص بأوليائه من المؤمنين.

فالنور الذي ينور تعالى به خلقه كالرحمة التي يرحمهم بها قسمان: عام وخاص وقد قال تعالى:"و رحمتي وسعت كل شيء": الأعراف: 156 ، وقوله:"فأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فيدخلهم ربهم في رحمته": الجاثية: 30 ، وقد جمع بينهما في قوله:"يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وآمنوا برسوله يؤتكم كفلين من رحمته ويجعل لكم نورا": الحديد: 28 ، وما ذكر فيه من النور هو النور على نور بحذاء الثاني من كفلي الرحمة.

وقوله:"و الله عليم بما يفعلون"ومن فعلهم تسبيحهم له سبحانه ، وهذا التسبيح وإن كان في بعض المراحل هو نفس وجودهم لكن صدق اسم التسبيح يجوز أن يعد فعلا لهم بهذه العناية.

وفي ذكر علمه تعالى بما يفعلون عقيب ذكر تسبيحهم ترغيب للمؤمنين وشكر لهم بأن ربهم يعلم ذلك منهم وسيجزيهم جزاء حسنا ، وإيذان بتمام الحجة على الكافرين ، فإن من مراتب علمه تعالى كتب الأعمال والكتاب المبين التي تثبت فيها أعمالهم فيثبت فيها تسبيحهم بوجودهم ثم إنكارهم بألسنتهم.

قوله تعالى:"و لله ملك السماوات والأرض وإلى الله المصير"سياق الآية وقد وقعت بين قوله:"أ لم تر أن الله يسبح له"إلخ ، وهو احتجاج على شمول نوره العام لكل شيء ، وبين قوله:"أ لم تر أن الله يزجي"إلخ ، وما يتعقبه وهو احتجاج على اختصاص النور الخاص ، يعطي أنها كالمتوسط بين القبيلين أعني بين الأمرين يحتج بها على كليهما ، فملكه تعالى لكل شيء وكونه مصيرا لها هو دليل على تعميمه نوره العام وتخصيصه نوره الخاص يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد.

فقوله:"و لله ملك السماوات والأرض"يخص الملك ويقصره فيه تعالى فله أن يفعل ما يشاء ويحكم بما يريد لا يسأل عما يفعل وهم يسألون ، ولازم قصر الملك فيه كونه هو المصير لكل شيء ، وإذ كان لا مليك إلا هو وإليه مرجع كل شيء ومصيره فله أن يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد.

ومن هنا يظهر أن المراد - والله أعلم - بقوله:"و إلى الله المصير"مرجعيته تعالى في الأمور دون المعاد نظير قوله:"ألا إلى الله تصير الأمور": الشورى: 53.

قوله تعالى:"أ لم تر أن الله يزجي سحابا ثم يؤلف بينه ثم يجعله ركاما فترى الودق يخرج من خلاله"إلى آخر الآية.

الإزجاء هو الدفع ، والركام المتراكم بعضه على بعض ، والودق هو المطر ، والخلال جمع الخلل وهو الفرجة بين الشيئين.

والخطاب للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بعنوان أنه سامع فيشمل كل سامع ، والمعنى: أ لم تر أنت وكل من يرى أن الله يدفع بالرياح سحابا متفرقا ثم يؤلف بينه ثم يجعله متراكما بعضه على بعض فترى المطر يخرج من خلله وفرجه فينزل على الأرض.

وقوله:"و ينزل من السماء من جبال فيها من برد فيصيب به من يشاء ويصرفه عمن يشاء يكاد سنا برقه يذهب بالأبصار"السماء جهة العلو ، وقوله:"من جبال فيها"بيان للسماء ، والجبال جمع جبل وهو معروف ، وقوله:"من برد"بيان للجبال ، والبرد قطعات الجمد النازل من السماء ، وكونه جبالا فيها كناية عن كثرته وتراكمه ، والسنا بالقصر الضوء.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت