فهؤلاء وهم سائرون إلى الله وصائرون إليه من جهة أعمالهم كراكب بحر لجي يغشاه موج من فوقه موج من فوقه سحاب في ظلمات متراكمة كأشد ما يكون ولا نور هناك يستضيء به فيهتدي إلى ساحل النجاة.
وقوله:"و من لم يجعل الله له نورا فما له من نور"نفي للنور عنهم بأن الله لم يجعله لهم ، كيف لا؟ وجاعل النور هو الله الذي هو نور كل شيء ، فإذا لم يجعل لشيء نورا لم يكن له نورا إذ لا جاعل غيره تعالى.
قوله تعالى:"أ لم تر أن الله يسبح له من في السماوات والأرض والطير صافات"إلى آخر الآية ، لما ذكر سبحانه أنه نور تستنير به السماوات والأرض وأنه يختص بمزيد نوره المؤمنين من عباده والذين كفروا لا نصيب لهم من ذلك شرع يحتج على ذلك بما في هذه الآية والآيات الأربع التالية لها.
فكونه تعالى نور السماوات والأرض يدل عليه أن ما في السماوات والأرض موجود بوجود ليس من عنده ولا من عند شيء مما فيهما لكونه مثله في الفاقة ، فوجود ما فيهما من موجود من الله الذي ينتهي إليه الحاجات.
فوجود كل شيء مما فيهما كما يظهر به نفس الوجود يدل على من يظهره بما أفاض عليه من الوجود فهو نور يستنير به الشيء ويدل على منوره بما أشرق عليه من النور وأن هناك نورا يستنير به كل شيء فكل شيء مما فيهما يدل على أن وراءه شيئا منزها من الظلمة التي غشيته ، والفاقة التي لزمته ، والنقص الذي لا ينفك عنه ، وهذا هو تسبيح ما في السماوات والأرض له سبحانه ، ولازمه نفي الاستقلال عن كل من سواه وسلب أي إله ورب يدبر الأمر دونه تعالى.
وإلى ذلك يشير قوله:"أ لم تر أن الله يسبح له من في السماوات والأرض والطير صافات كل قد علم صلاته وتسبيحه"وبه يحتج تعالى على كونه نور السماوات والأرض لأن النور هو ما يظهر به الشيء المستنير ثم يدل بظهوره على مظهره ، وهو تعالى يظهر ويوجد بإظهاره وإيجاده الأشياء ثم يدل على ظهوره ووجوده.
وتزيد الآية بالإشارة إلى لطائف يكمل بها البيان: منها: اختصاصها من في السماوات والأرض والطير صافات وهم العقلاء وبعض ذوات الروح بالذكر مع عموم التسبيح لغيرهم لقوله:"و إن من شيء إلا يسبح بحمده".
ولعل ذلك من باب اختيار أمور من أعاجيب الخلقة للذكر فإن ظهور الموجود العاقل الذي يدل عليه لفظ"من في السماوات والأرض"من عجيب أمر الخلقة الذي يدهش لب ذي اللب ، كما أن صفيف الطير الصافات في الجو من أعجب ما يرى من أعمال الحيوان ذي الشعور وأبدعه.
ويظهر من بعضهم أن المراد بقوله:"من في السماوات"إلخ ، جميع الأشياء وإنما عبر بلفظ أولي العقل لكون التسبيح المنسوب إليها من شئون أولي العقل أو للتنبيه على قوة تلك الدلالة ووضوح تلك الإشارة تنزيلا للسان الحال منزلة المقال.
وفيه أنه لا يلائم إسناد العلم إليها في قوله بعد:"كل قد علم صلاته وتسبيحه".
ومنها: تصدير الكلام بقوله:"أ لم تر"وفيه دلالة على ظهور تسبيحهم ووضوح دلالتهم على التنزيه بحيث لا يرتاب فيه ذو ريب فكثيرا ما يعبر عن العلم الجازم بالرؤية كما في قوله تعالى:"أ لم تر أن الله خلق السماوات والأرض": إبراهيم: 19 ، والخطاب فيه عام لكل ذي عقل وإن كان خاصا بحسب اللفظ.
ومن الممكن أن يكون خطابا خاصا بالنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وقد كان أراه الله تسبيح من في السماوات والأرض والطير صافات فيما أراه من ملكوت السماوات والأرض وليس ببدع منه (صلى الله عليه وآله وسلم) وقد أرى الناس تسبيح الحصاة في كفه كما وردت به الأخبار المعتبرة.
ومنها: أن الآية تعمم العلم لكل ما ذكر في السماوات والأرض والطير ، وقد تقدم بعض البحث عنه في تفسير قوله:"و إن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم": الإسراء: 44 ، وستجيء تتمة الكلام فيه في تفسير سورة حم السجدة إن شاء الله.
وقول بعضهم: إن الضمير في قوله:"قد علم"راجع إليه تعالى ، يدفعه عدم ملائمته للسياق وخاصة لقوله بعده:"و الله عليم بما يفعلون"ونظيره قول آخرين: إن إسناد العلم إلى مجموع ما تقدم من المجاز بتنزيل غير العالم منزلة العالم لقوة دلالته على تسبيحه وتنزيهه.