فهرس الكتاب

الصفحة 3099 من 4314

و التعبير بقوله:"جاءه"دون أن يقال: بلغه أو وصل إليه أو انتهى إليه ونحوها للإيماء إلى أن هناك من يريد مجيئه وينتظره انتظارا وهو الله سبحانه ، ولذلك أردفه بقوله:"و وجد الله عنده فوفاه حسابه"فأفاد أن هؤلاء يريدون بأعمالهم الظفر بأمر تبعثهم نحوه فطرتهم وجبلتهم وهو السعادة التي يريدها كل إنسان بفطرته وجبلته لكن أعمالهم لا توصلهم إليه ، ولا أن الآلهة التي يبتغون بأعمالهم جزاء حسنا منهم لهم حقيقة بل الذي ينتهي إليه أعمالهم ويحيط هو بها ويجزيهم هو الله سبحانه فيوفيهم حسابهم ، وتوفية الحساب كناية عن الجزاء بما يستوجبه حساب الأعمال وإيصال ما يستحقه صاحب الأعمال.

ففي الآية تشبيه أعمالهم بالسراب ، وتشبيههم بالظمآن الذي يريد الماء وعنده عذب الماء لكنه يعرض عنه ولا يصغي إلى مولاه الذي ينصحه ويدعوه إلى شربه بل يحسب السراب ماء فيسير إليه ويقبل نحوه ، وتشبيه مصيرهم إلى الله سبحانه بحلول الآجال وعند ذلك تمام الأعمال بالظمآن السائر إلى السراب إذا جاءه وعنده مولاه الذي كان ينصحه ويدعوه إلى شرب الماء.

فهؤلاء قوم ألهوا عن ذكر ربهم والأعمال الصالحة الهادية إلى نوره وفيه سعادتهم وحسبوا أن سعادتهم عند غيره من الآلهة الذين يدعونهم والأعمال المقربة إليهم وفيها سعادتهم فأكبوا على تلك الأعمال السرابية واستوفوا ما يمكنهم أن يأتوا بها مدة أعمارهم حتى حلت آجالهم وشارفوا الدار الآخرة فلم يجدوا شيئا مما يؤملونه من أعمالهم ولا أثرا من ألوهية آلهتهم فوفاهم الله حسابهم والله سريع الحساب.

وقوله:"و الله سريع الحساب"إنما هو لإحاطة علمه بالقليل والكثير والحقير والخطير والدقيق والجليل والمتقدم والمتأخر على حد سواء.

واعلم أن الآية وإن كان ظاهرها بيان حال الكفار من أهل الملل وخاصة المشركين من الوثنيين لكن البيان جار في غيرهم من منكري الصانع فإن الإنسان كائنا من كان يرى لنفسه سعادة في الحياة ولا يرتاب أن الوسيلة إلى نيلها أعماله التي يأتي بها فإن كان ممن يقول بالصانع ويراه المؤثر في سعادته بوجه من الوجوه توسل بأعماله إلى تحصيل رضاه والفوز بالسعادة التي يقدرها له ، وإن كان ممن ينكره وينهي التأثير إلى غيره توسل بأعماله إلى توجيه ما يقول به من المؤثر كالدهر والطبيعة والمادة نحو سعادة حياته الدنيا التي لا يقول بما وراءها.

فهؤلاء يرون المؤثر الذي بيده سعادة حياتهم غيره تعالى ولا مؤثر غيره ويرون مساعيهم الدنيوية موصلة لهم إلى سعادتهم وليست إلا سرابا لا حقيقة له ولا يزالون يسعون حتى إذا تم ما قدر لهم من الأعمال بحلول ما سمي لهم من الآجال لم يجدوا عندها شيئا وعاينوا أن ما كانوا يتمنون منها لم يكن إلا طائف خيال أو حلم نائم ، وعند ذلك يوفيهم الله حسابهم والله سريع الحساب.

قوله تعالى:"أو كظلمات في بحر لجي يغشاه موج من فوقه موج من فوقه سحاب"تشبيه ثان لأعمالهم يظهر به أنها حجب متراكمة على قلوبهم تحجبهم عن نور المعرفة ، وقد تكرر في كلامه تعالى أنهم في الظلمات كقوله:"و الذين كفروا أولياؤهم الطاغوت يخرجونهم من النور إلى الظلمات": البقرة: 257 ، وقوله:"كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها": الأنعام: 122 ، وقوله:"كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون": المطففين: 15.

وقوله:"أو كظلمات في بحر لجي"معطوف على"سراب"في الآية السابقة ، والبحر اللجي هو البحر المتردد أمواجه منسوب إلى لجة البحر وهي تردد أمواجه ، والمعنى: أعمالهم كظلمات كائنة في بحر لجي.

وقوله:"يغشاه موج من فوقه موج من فوقه سحاب"صفة البحر جيء بها لتقرير الظلمات المفروضة فيه فصفته أنه يغشاه ويحيط به موج كائن من فوقه موج آخر

كائن من فوقه سحاب يحجبنه جميعا من الاستضاءة بأضواء الشمس والقمر والنجوم.

وقوله:"ظلمات بعضها فوق بعض"تقرير لبيان أن المراد بالظلمات المفروضة الظلمات المتراكمة بعضها على بعض دون المتفرقة ، وقد أكد ذلك بقوله:"إذا أخرج يده لم يكد يراها"فإن أقرب ما يشاهده الإنسان منه هو نفسه وهو أقدر على رؤية يده منه على سائر أعضائه لأنه يقربها تجاه باصرته كيفما أراد فإذا أخرج يده ولم يكد يراها كانت الظلمة بالغة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت