قوله تعالى:"ليجزيهم الله أحسن ما عملوا ويزيدهم من فضله والله يرزق من يشاء بغير حساب"الظاهر أن لام"ليجزيهم"للغاية ، والذي ذكره الله في خلال الكلام هو أعمالهم الصالحة والأجر الجميل على كل صالح مما ينص عليه كلامه تعالى فقوله: إنه يجزيهم أحسن ما عملوا معناه أنه يجزيهم بإزاء عملهم في كل باب جزاء أحسن عمل في ذلك الباب ، ومرجع ذلك إلى أنه تعالى يزكي أعمالهم فلا يناقش فيها بالمؤاخذة في جهات توجب نقصها وانحطاط قدرها فيعد الحسن منها أحسن.
ويؤيد هذا المعنى قوله في ذيل الآية:"و الله يرزق من يشاء بغير حساب"فإن ظاهره عدم المداقة في حساب الحسنات بالإغماض عن جهات نقصها فيلحق الحسن بالأحسن.
وقوله:"و يزيدهم من فضله"الفضل العطاء ، وهذا نص في أنه تعالى يعطيهم من فضله ما ليس بإزاء أعمالهم الصالحة ، وأوضح منه قوله تعالى في موضع آخر:"لهم ما يشاءون فيها ولدينا مزيد": ق: 35 ، حيث إن ظاهره أن هذا المزيد الموعود أمر وراء ما تتعلق به مشيتهم.
وقد دل كلامه سبحانه أن أجرهم أن لهم ما يشاءون قال تعالى:"أولئك هم المتقون لهم ما يشاءون عند ربهم ذلك جزاء المحسنين": الزمر: 34 ، وقال:"أم جنة الخلد التي وعد المتقون كانت لهم جزاء ومصيرا لهم فيها ما يشاءون خالدين": الفرقان: 16 ، وقال:"لهم فيها ما يشاءون كذلك يجزي الله المتقين": النحل: 31.
فهذا المزيد الذي هو وراء جزاء الأعمال أمر أعلى وأعظم من أن تتعلق به مشية الإنسان أو يوصل إليه سعيه ، وهذا أعجب ما يعده القرآن المؤمنين ويبشرهم به فأجد التدبر فيه.
وقوله:"و الله يرزق من يشاء بغير حساب"استئناف مآله تعليل الجملتين السابقتين بالمشية نظير قوله فيما تقدم:"يهدي الله لنوره من يشاء"على ما مر بيانه.
ومحصله أنهم عملوا صالحا وكان لهم من الأجر ما يعادل عملهم كما هو ظاهر قوله:"و توفى كل نفس ما عملت": النحل: 111 ، وما في معناه من الآيات لكنه تعالى يجزيهم لكل عمل من أعمالهم جزاء أحسن عمل يؤتى به في بابه من غير أن يداق في الحساب فهذه موهبة ثم يرزقهم أمرا هو أعلى وأرفع من أن تتعلق به مشيتهم وهذه أيضا موهبة ورزق بغير حساب ، والرزق من الله موهبة محضة من غير أن يملك المرزوقون منه شيئا أو يستحقوه عليه تعالى فله تعالى أن يخص منه ما يشاء لمن يشاء.
غير أنه تعالى وعدهم الرزق وأقسم على إنجازه في قوله:"فورب السماء والأرض إنه لحق": الذاريات: 23 ، فملكهم الاستحقاق لأصله وهو الذي يجزيهم به على قدر أعمالهم وأما الزائد عليه فلم يملكهم ذلك فله أن يختص به من يشاء فلا يعلل ذلك إلا بمشية وللكلام تتمة ستوافيك إن شاء الله في بحث مستقل.
قوله تعالى:"و الذين كفروا أعمالهم كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء"إلى آخر الآية.
السراب هو ما يلمع في المفازة كالماء ولا حقيقة له ، والقيع والقاع هو المستوي من الأرض ومفرداهما القيعة والقاعة كالتينة والتمرة ، والظمآن هو العطشان.
لما ذكر سبحانه المؤمنين ووصفهم بأنهم ذاكرون له في بيوت معظمة لا تلهيهم عنه تجارة ولا بيع ، وأن الله الذي هو نور السماوات والأرض يهديهم بذلك إلى نوره فيكرمهم بنور معرفته قابل ذلك بذكر الذين كفروا فوصف أعمالهم تارة بأنها لا حقيقة لها كسراب بقيعة فلا غاية لها تنتهي إليها ، وتارة بأنها كظلمات بعضها فوق بعض لا نور معها وهي حاجزة عن النور ، وهذه الآية هي التي تتضمن الوصف الأول.
فقوله:"و الذين كفروا أعمالهم كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئا"شبه أعمالهم - وهي التي يأتون بها من قرابين وأذكار وغيرهما من
عباداتهم يتقربون بها إلى آلهتهم - بسراب بقيعة يحسبه الإنسان ماء ولا حقيقة له يترتب عليها ما يترتب على الماء من رفع العطش وغير ذلك.
وإنما قيل: يحسبه الظمآن ماء مع أن السراب يتراءى ماء لكل راء لأن المطلوب بيان سيره إليه ولا يسير إليه إلا الظمآن يدفعه إليه ما به من ظمإ ، ولذلك رتب عليه قوله:"حتى إذا جاءه لم يجده شيئا"، كأنه قيل: كسراب بقيعة يتخيله الظمآن ماء فيسير إليه ويقبل نحوه ليرتوي ويرفع عطشه به ، ولا يزال يسير حتى إذا جاءه لم يجده شيئا.