و ببيان آخر حمده تعالى وهو ثناؤه بصفة الكمال مساوي لحصول نور المعرفة وتسبيحه وهو التنزيه بنفي ما لا يليق به عنه مقدمة لحصوله ، والآية في مقام بيان خصالهم التي تستدعي هدايتهم إلى نوره فلا جرم اقتصر فيها بذكر ما هي المقدمة وهو التسبيح ، فافهم ذلك.
وقوله:"رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع"التجارة إذا قوبلت بالبيع كان المفهوم منها بحسب العرف الاستمرار في الاكتساب بالبيع والشراء والبيع هو العمل الاكتسابي الدفعي فالفرق بينهما هو الفرق بين الدفعة والاستمرار فمعنى نفي البيع بعد نفي التجارة مع كونه منفيا بنفيها الدلالة على أنهم لا يلهون عن ربهم في مكاسبهم دائما ولا في وقت من الأوقات ، وبعبارة أخرى لا تنسيهم ربهم تجارة مستمرة ولا بيع ما من البيوع التي يوقعونها مدة تجارتهم.
وقيل: الوجه في نفي البيع بعد نفي إلهاء التجارة أن الربح في البيع ناجز بالفعل بخلاف التجارة التي هي الحرفة ، فعدم إلهاء التجارة لا يستلزم عدم إلهاء البيع الرابح بالفعل ، ولذلك نفى البيع ثانيا بعد نفي إلهاء التجارة ولذلك كررت لفظة"لا"لتذكير النفي وتأكيده ، وهو وجه حسن.
وقوله:"عن ذكر الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة"الإقام هو الإقامة بحذف التاء تخفيفا.
والمراد بإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة الإتيان بجميع الأعمال الصالحة التي كلف الله تعالى عباده بإتيانها في حياتهم الدنيا ، وإقامة الصلاة ممثلة لإتيان ما للعبد من وظائف العبودية مع الله سبحانه ، وإيتاء الزكاة ممثل لوظائفه مع الخلق وذلك لكون كل منها ركنا في بابه.
والمقابلة بين ذكر الله وبين إقام الصلاة وإيتاء الزكاة وهما - وخاصة الصلاة -
من ذكر الله يعطي أن يكون المراد بذكر الله الذكر القلبي الذي يقابل النسيان والغفلة وهو ذكر علمي كما أن أمثال الصلاة والزكاة ذكر عملي.
فالمقابلة المذكورة تعطي أن المراد بقوله:"عن ذكر الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة"أنهم لا يشتغلون بشيء عن ذكرهم المستمر بقلوبهم لربهم وذكرهم الموقت بأعمالهم من الصلاة والزكاة ، وعند ذلك يظهر حسن التقابل بين التجارة والبيع وبين ذكر الله وإقام الصلاة إلخ ، لرجوع المعنى إلى أنهم لا يلهيهم مله مستمر ولا موقت عن الذكر المستمر والموقت ، فافهم ذلك.
وقوله:"يخافون يوما تتقلب فيه القلوب والأبصار"هذا هو يوم القيامة ، والمراد بالقلوب والأبصار ما يعم قلوب المؤمنين والكافرين وأبصارهم لكون القلوب والأبصار جمعا محلى باللام وهو يفيد العموم.
وأما تقلب القلوب والأبصار فالآيات الواصفة لشأن يوم القيامة تدل على أنه بظهور حقيقة الأمر وانكشاف الغطاء كما قال تعالى:"فكشفنا عنك غطاءك فبصرك اليوم حديد": ق: 22 ، وقال:"و بدا لهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون: الزمر: 47 ، إلى غير ذلك من الآيات."
فتنصرف القلوب والأبصار يومئذ عن المشاهدة والرؤية الدنيوية الشاغلة عن الله الساترة للحق والحقيقة إلى سنخ آخر من المشاهدة والرؤية وهو الرؤية بنور الإيمان والمعرفة فيتبصر المؤمن بنور ربه وهو نور الإيمان والمعرفة فينظر إلى كرامة الله ، ويعمى الكافر ولا يجد إلا ما يسوؤه قال تعالى:"و أشرقت الأرض بنور ربها ،": الزمر: 69 وقال:"يوم ترى المؤمنين والمؤمنات يسعى نورهم بين أيديهم وبأيمانهم": الحديد: 12 ، وقال:"و من كان في هذه أعمى فهو في الآخرة أعمى": الإسراء: 72 ، وقال:"وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة": القيامة: 23 وقال:"كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون": المطففين: 15.
وقد تبين بما مر: أولا: وجه اختصاص هذه الصفة أعني تقلب القلوب والأبصار من بين أوصاف يوم القيامة بالذكر وذلك أن الكلام مسوق لبيان ما يتوسل به إلى هدايته تعالى إلى
نوره وهو نور الإيمان والمعرفة الذي يستضاء به يوم القيامة ويبصر به.
وثانيا: أن المراد بالقلوب والأبصار النفوس وبصائرها.
وثالثا: أن توصيف اليوم بقوله:"تتقلب فيه القلوب والأبصار"لبيان سبب الخوف فهم إنما يخافون اليوم لما فيه من تقلب القلوب والأبصار ، وإنما يخافون هذا التقلب لما في أحد شقيه من الحرمان من نور الله والنظر إلى كرامته وهو الشقاء الدائم والعذاب الخالد وفي الحقيقة يخافون أنفسهم.