فأخذ المشكاة للدلالة على اجتماع النور في بطن المشكاة وانعكاسه إلى جو البيت ، واعتبار كون الدهن من شجرة زيتونة لا شرقية ولا غربية للدلالة على صفاء الدهن وجودته المؤثر في صفاء النور المشرق عن اشتعاله وجودة الضياء على ما يدل عليه كون زيته يكاد يضيء ولو لم تمسسه نار ، واعتبار كون النور على النور للدلالة على تضاعف النور أو كون الزجاجة مستمدة من نور المصباح في إنارتها.
وقوله:"يهدي الله لنوره من يشاء"استئناف يعلل به اختصاص المؤمنين بنور الإيمان والمعرفة وحرمان غيرهم ، فمن المعلوم من السياق أن المراد بقوله:"من يشاء"القوم الذين ذكرهم بقوله بعد:"رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله"إلخ ، فالمراد بمن يشاء المؤمنون بوصف كمال إيمانهم.
والمعنى: أن الله إنما هدى المتلبسين بكمال الإيمان إلى نوره دون المتلبسين بالكفر - الذين سيذكرهم بعد - لمجرد مشيته ، وليس المعنى أن الله يهدي بعض الأفراد إلى نوره دون بعض بمشيته ذلك حتى يحتاج في تتميمه إلى القول بأنه إنما يشاء الهداية إذا استعد المحل إلى الهداية بحسن السريرة ، والسيرة وذلك مما يختص به أهل الإيمان دون أهل الكفر فافهمه.
والدليل على ذلك ما سيأتي من قوله:"و لله ملك السماوات والأرض"إلى آخر الآيات بالبيان الآتي إن شاء الله.
وقوله:"و يضرب الله الأمثال للناس والله بكل شيء عليم"إشارة إلى أن المثل المضروب تحته طور من العلم ، وإنما اختير المثل لكونه أسهل الطرق لتبيين الحقائق والدقائق ويشترك فيه العالم والعامي فيأخذ منه كل ما قسم له ، قال تعالى:
"و تلك الأمثال نضربها للناس وما يعقلها إلا العالمون": العنكبوت: 43.
قوله تعالى:"في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه"الإذن في الشيء هو إعلام ارتفاع المانع عن فعله ، والمراد بالرفع رفع القدر والمنزلة وهو التعظيم ، وإذ كانت العظمة والعلو لله تعالى لا يشاركه في ذلك غيره إلا أن ينتسب إليه ، وبمقدار ما ينتسب إليه فالإذن منه تعالى في أن ترفع هذه البيوت إنما هو لانتساب ما منها إليه.
وبذلك يظهر أن السبب لرفعها هو ما عطف عليه من ذكر اسمه فيها ، والسياق يدل على الاستمرار أو التهيؤ له فيعود المعنى إلى مثل قولنا:"أن يذكر فيها اسمه فيرتفع قدرها بذلك".
وقوله:"في بيوت"متعلق بقوله في الآية السابقة:"كمشكوة"أو قوله:"يهدي الله"إلخ ، والمال واحد ، ومن المتيقن من هذه البيوت المساجد فإنها معدة لذكر اسمه فيها ممحضة لذلك ، وقد قال تعالى:"و مساجد يذكر فيها اسم الله كثيرا": الحج: 40.
قوله تعالى:"يسبح له فيها بالغدو والآصال رجال"إلى آخر الآية.
تسبيحه تعالى تنزيهه عن كل ما لا يليق بساحة قدسه ، والغدو جمع غداة وهو الصبح والآصال جمع أصيل وهو العصر ، والإلهاء صرف الإنسان عما يعنيه ويهمه ، والتجارة على ما قاله الراغب: التصرف في رأس المال طلبا للربح.
قال: وليس في كلامهم تاء بعدها جيم غير هذا اللفظ.
والبيع على ما قال: إعطاء المثمن وأخذ الثمن ، وقلب الشيء على ما ذكره صرف الشيء من وجه إلى وجه ، والتقليب مبالغة فيه والتقلب قبوله فتقلب القلوب والأبصار تحول منها من وجه من الإدراك إلى وجه آخر.
وقوله:"يسبح له فيها بالغدو والآصال"صفة لبيوت أو استئناف لبيان قوله:"و يذكر فيها اسمه"، وكون التسبيح بالغدو والآصال كناية عن استمرارهم فيه لا أن التسبيح مقصور في الوقتين لا يسبح له في غيرهما.
والاكتفاء بالتسبيح من غير ذكر التحميد معه لأنه تعالى معلوم بجميع صفاته الكمالية لا سترة عليه إذ المفروض أنه نور والنور هو الظاهر بذاته المظهر لغيره وإنما يحتاج خلوص المعرفة إلى نفي النقائص عنه وتنزيهه عما لا يليق به فإذا تم التسبيح لم
يبق معه غيره وتمت المعرفة ثم إذا تمت المعرفة وقع الثناء والحمد وبالجملة التوصيف بصفات الكمال موقعه بعد حصول المعرفة كما قال تعالى:"سبحان الله عما يصفون إلا عباد الله المخلصين": الصافات: 160 ، فنزهه عما يصفونه به إلا ما وصفه به من أخلصهم لنفسه من عباده ، وقد تقدم في تفسير سورة الحمد كلام في معنى حمده تعالى.