فهرس الكتاب

الصفحة 3095 من 4314

و قد نسب تعالى في سائر كلامه إلى نفسه نورا كما في قوله:"يريدون ليطفئوا نور الله بأفواههم والله متم نوره": الصف: 8 ، وقوله:"أ ومن كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا يمشي به في الناس كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها": الأنعام: 122 وقوله:"يؤتكم كفلين من رحمته ويجعل لكم نورا تمشون به": الحديد: 28 ، وقوله:"أ فمن شرح الله صدره للإسلام فهو على نور من ربه": الزمر: 22 ، وهذا هو النور الذي يجعله الله لعباده المؤمنين يستضيئون به في طريقهم إلى ربهم وهو نور الإيمان والمعرفة.

وليس المراد به القرآن كما قاله بعضهم فإن الآية تصف حال عامة المؤمنين قبل نزول القرآن وبعده.

على أن هذا النور وصف لهم يتصفون به كما يشير إليه قوله:"لهم أجرهم ونورهم": الحديد: 19 وقوله:"يقولون ربنا أتمم لنا نورنا": التحريم: 8 ، والقرآن ليس وصفا لهم وإن لوحظ باعتبار ما يكشف عنه من المعارف رجع إلى ما قلناه.

وقوله:"كمشكوة فيها مصباح المصباح في زجاجة"المشبه به مجموع ما ذكر من قوله مشكاة فيها مصباح المصباح"إلخ"لا مجرد المشكاة وإلا فسد المعنى ، وهذا كثير في تمثيلات القرآن.

وقوله:"الزجاجة كأنها كوكب دري"تشبيه الزجاجة بالكوكب الدري من جهة ازدياد لمعان نور المصباح وشروقه بتركيب الزجاجة على المصباح فتزيد الشعلة بذلك سكونا من غير اضطراب بتموج الأهوية وضرب الرياح فهي كالكوكب الدري في تلألؤ نورها وثبات شروقها.

وقوله:"يوقد من شجرة مباركة زيتونة لا شرقية ولا غربية يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار"خبر بعد خبر للمصباح أي المصباح يشتعل آخذا اشتعاله من شجرة مباركة زيتونة أي إنه يشتعل من دهن زيت مأخوذ منها ، والمراد بكون الشجرة لا شرقية ولا غربية أنها ليست نابتة في الجانب الشرقي ولا في الجانب الغربي حتى تقع الشمس عليها في أحد طرفي النهار ويفيء الظل عليها في الطرف الآخر فلا تنضج ثمرتها فلا يصفو الدهن المأخوذ منها فلا تجود الإضاءة بل هي ضاحية تأخذ من الشمس حظها طول النهار فيجود دهنها لكمال نضج ثمرتها.

والدليل على هذا المعنى قوله:"يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار"فإن ظاهر السياق أن المراد به صفاء الدهن وكمال استعداده للاشتعال وأن ذلك متفرع على الوصفين: لا شرقية ولا غربية.

وأما قول بعضهم: إن المراد بقوله:"لا شرقية ولا غربية"أنها ليست من شجر الدنيا حتى تنبت إما في شرق أو في غرب ، وكذا قول آخرين: إن المراد أنها ليست من شجر شرق المعمورة ولا من شجر غربها بل من شجر الشام الواقع بين الشرق والغرب وزيته أفضل الزيت فغير مفهوم من السياق.

وقوله:"نور على نور"خبر لمبتدإ محذوف وهو ضمير راجع إلى نور الزجاجة المفهوم من السياق ، والمعنى نور الزجاجة المذكور نور عظيم على نور كذلك أي في كمال التلمع.

والمراد من كون النور على النور قيل: هو تضاعف النور لا تعدده فليس المراد به أنه نور معين أو غير معين فوق نور آخر مثله ، ولا أنه مجموع نورين اثنين فقط بل أنه نور متضاعف من غير تحديد لتضاعفه وهذا التعبير شائع في الكلام.

وهذا معنى لا يخلو من جودة وإن كان إرادة التعدد أيضا لا تخلو من لطف ودقة فإن للنور الشارق من المصباح نسبة إليه بالأصالة والحقيقة ونسبة إلى الزجاجة التي عليه بالاستعارة والمجاز ، ويتغاير النور بتغاير النسبتين ويتعدد بتعددهما وإن لم يكن بحسب الحقيقة إلا للمصباح والزجاجة صفر الكف منه فللزجاجة بالنظر إلى تعدد النسب نور غير نور المصباح وهو قائم به ومستمد منه.

وهذا الاعتبار جار بعينه في الممثل له فإن نور الإيمان والمعرفة نور مستعار مشرق على قلوب المؤمنين مقتبس من نوره تعالى قائم به مستمد منه.

فقد تحصل أن الممثل له هو نور الله المشرق على قلوب المؤمنين والمثل هو المشبه به النور المشرق من زجاجة على مصباح موقد من زيت جيد صاف وهو موضوع في مشكاة فإن نور المصباح المشرق من الزجاجة والمشكاة تجمعه وتعكسه على المستنيرين به يشرق عليهم في نهاية القوة والجودة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت