فهذه صفة ما أكرم الله به المؤمنين من نور معرفته المتعقب للسعادة الخالدة ، وحرمه على الكافرين وتركهم في ظلمات لا يبصرون ، فخص من اشتغل بربه وأعرض عن عرض الحياة الدنيا بنور من عنده ، والله يفعل ما يشاء له الملك وإليه المصير يحكم بما أراد ينزل الودق والبرد من سحاب واحد ، ويقلب الليل والنهار ، ويجعل من الحيوان من يمشي على بطنه ومن يمشي على رجلين ومن يمشي على أربع وقد خلق الكل من ماء.
والآيات غير فاقدة للاتصال بما قبلها لما أن بيان الأحكام والشرائع فيما تقدم انتهى إلى مثل قوله:"و لقد أنزلنا إليكم آيات مبينات ومثلا من الذين خلوا من قبلكم وموعظة للمتقين"والبيان إظهار لحقائق المعارف فهو تنوير إلهي.
على أن الآيات قرآن وقد سمى سبحانه القرآن في مواضع من كلامه نورا كقوله:"و أنزلنا إليكم نورا مبينا": النساء: 174.
قوله تعالى:"الله نور السماوات والأرض"إلى آخر الآية.
المشكاة على ما ذكره الراغب وغيره: كوة غير نافذة وهي ما يتخذ في جدار البيت من الكو لوضع بعض الأثاث كالمصباح وغيره عليه وهو غير الفانوس.
والدري: من الكواكب العظيم الكثير النور ، وهو معدود في السماء ، والإيقاد: الإشعال ، والزيت: الدهن المتخذ من الزيتون.
وقوله:"الله نور السماوات والأرض"النور معروف وهو الذي يظهر به الأجسام الكثيفة لأبصارنا فالأشياء ظاهرة به وهو ظاهر مكشوف لنا بنفس ذاته فهو الظاهر بذاته المظهر لغيره من المحسوسات للبصر.
هذا أول ما وضع عليه لفظ النور ثم عمم لكل ما ينكشف به شيء من المحسوسات على نحو الاستعارة أو الحقيقة الثانية فعد كل من الحواس نورا أو ذا نور يظهر به محسوساته كالسمع والشم والذوق واللمس.
ثم عمم لغير المحسوس فعد العقل نورا يظهر به المعقولات كل ذلك بتحليل معنى النور المبصر إلى الظاهر بذاته المظهر لغيره.
وإذ كان وجود الشيء هو الذي يظهر به نفسه لغيره من الأشياء كان مصداقا تاما للنور ، ثم لما كانت الأشياء الممكنة الوجود إنما هي موجودة بإيجاد الله تعالى كان هو المصداق الأتم للنور فهناك وجود ونور يتصف به الأشياء وهو وجودها ونورها المستعار المأخوذ منه تعالى ووجود ونور قائم بذاته يوجد ويستنير به الأشياء.
فهو سبحانه نور يظهر به السماوات والأرض ، وهذا هو المراد بقوله:"الله نور السماوات والأرض"حيث أضيف النور إلى السماوات والأرض ثم حمل على اسم الجلالة ، وعلى هذا ينبغي أن يحمل قول من قال: إن المعنى الله منور السماوات والأرض ، وعمدة الغرض منه أن ليس المراد بالنور النور المستعار القائم بها وهو الوجود الذي يحمل عليها تعالى الله عن ذلك وتقدس.
ومن ذلك يستفاد أنه تعالى غير مجهول لشيء من الأشياء إذ ظهور كل شيء لنفسه أو لغيره إنما هو عن إظهاره تعالى فهو الظاهر بذاته له قبله ، وإلى هذه الحقيقة يشير قوله تعالى بعد آيتين:"أ لم تر أن الله يسبح له من في السماوات والأرض والطير صافات كل قد علم صلاته وتسبيحه"إذ لا معنى للتسبيح والعلم به وبالصلاة مع الجهل بمن يصلون له ويسبحونه فهو نظير قوله:"و إن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم": إسراء: 44 ، وسيوافيك البحث عنه إن شاء الله.
فقد تحصل أن المراد بالنور في قوله:"الله نور السماوات والأرض"نوره تعالى من حيث يشرق منه النور العام الذي يستنير به كل شيء وهو مساو لوجود كل شيء وظهوره في نفسه ولغيره وهي الرحمة العامة.
وقوله:"مثل نوره"يصف تعالى نوره ، وإضافة النور إلى الضمير الراجع إليه تعالى - وظاهره الإضافة اللامية - دليل على أن المراد ليس هو وصف النور الذي هو الله بل النور المستعار الذي يفيضه ، وليس هو النور العام المستعار الذي يظهر به كل شيء وهو الوجود الذي يستفيضه منه الأشياء وتتصف ، به والدليل عليه قوله بعد تتميم المثل:"يهدي الله لنوره من يشاء"إذ لو كان هو النور العام لم يختص به شيء دون شيء بل هو نوره الخاص بالمؤمنين بحقيقة الإيمان على ما يفيده الكلام.