فهرس الكتاب

الصفحة 1072 من 4314

فأشخاص الإنسان إنما هم أفراد نوع واحد وأشخاص حقيقة فاردة ، يحمل الواحد منهم من الإنسانية ما يحمله الكثيرون ، ويحمل الكل ما يحمله البعض وإنما أراد الله سبحانه بخلق الأفراد وتكثير النسل أن تبقى هذه الحقيقة التي ليس من شأنها أن تعيش إلا زمانا يسيرا ، ويدوم بقاؤها فيخلف اللاحق السابق ويعبد الله سبحانه في أرضه ، فإفناء الفرد بالقتل إفساد في الخلقة وإبطال لغرض الله سبحانه في الإنسانية المستبقاة بتكثير الأفراد بطريق الاستخلاف كما أشار إليه ابن آدم المقتول فيما خاطب أخاه:"ما أنا بباسط يدي إليك لأقتلك إني أخاف الله رب العالمين"فأشار إلى أن القتل بغير الحق منازعة الربوبية.

فلأجل أن من طباع الإنسان أن يحمله أي سبب واه على ارتكاب ظلم يئول بحسب الحقيقة إلى إبطال حكم الربوبية وغرض الخلقة في الإنسانية العامة ، وكان من شأن بني إسرائيل ما ذكره الله سبحانه قبل هذه الآيات من الحسد والكبر واتباع الهوى وإدحاض الحق وقد قص قصصهم بين الله لهم حقيقة هذا الظلم الفجيع ومنزلته بحسب الدقة ، وأخبرهم بأن قتل الواحد عنده بمنزلة قتل الجميع ، وبالمقابلة إحياء نفس واحدة عنده بمنزلة إحياء الجميع.

وهذه الكتابة وإن لم تشتمل على حكم تكليفي لكنها مع ذلك لا تخلو عن تشديد بحسب المنزلة والاعتبار ، وله تأثير في إثارة الغضب والسخط الإلهي في دنيا أو آخرة.

وبعبارة مختصرة: معنى الجملة أنه لما كان من طباع الإنسان أن يندفع بأي سبب واه إلى ارتكاب هذا الظلم العظيم ، وكان من أمر بني إسرائيل ما كان ، بينا لهم منزلة قتل النفس لعلهم يكفون عن الإسراف ولقد جاءتهم رسلنا بالبينات ثم إنهم بعد ذلك في الأرض لمسرفون.

وأما قوله:"إنه من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا"استثنى سبحانه قتل النفس بالنفس وهو القود والقصاص وهو قوله تعالى:"كتب عليكم القصاص في القتلى": البقرة: 187 وقتل النفس بالفساد في الأرض ، وذلك قوله في الآية التالية:"إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادا"الآية.

وأما المنزلة التي يدل عليها قوله:"فكأنما"إلخ فقد تقدم بيانه أن الفرد من الإنسان من حيث حقيقته المحمولة له التي تحيا وتموت إنما يحمل الإنسانية التي هي حقيقة واحدة في جميع الأفراد والبعض والكل ، والفرد الواحد والأفراد الكثيرون فيه واحد ، ولازم هذا المعنى أن يكون قتل النفس الواحدة بمنزلة قتل نوع الإنسان وبالعكس إحياء النفس الواحدة بمنزلة إحياء الناس جميعا ، وهو الذي تفيده الآية الشريفة.

وربما أشكل على الآية أولا: بأن هذا التنزيل يفضي إلى نقض الغرض فإن الغرض بيان أهمية قتل النفس وعظمته من حيث الإثم والأثر ، ولازمه أن تزيد الأهمية كلما زاد عدد القتل ، وتنزيل الواحد منزلة الجميع يوجب أن لا يقع بإزاء الزائد على الواحد شيء فإن من قتل عشرا كان الواحدة من هذه المقاتل تعد قتل الجميع ، وتبقى الباقي وليس بإزائه شيء.

ولا يندفع الإشكال بأن يقال: إن قتل العشرة يعدل عشرة أضعاف قتل الجميع وإن قتل الجميع يعدل قتل الجميع بعدد الجميع لأن مرجعه إلى المضاعفة في عدد العقاب ، واللفظ لا يفي ببيان ذلك.

على أن الجميع مؤلف من آحاد كل واحد منها يعدل الجميع المؤلف من الآحاد كذلك ، ويذهب إلى ما لا نهاية له ، ولا معنى للجميع بهذا المعنى ، إذ لا فرد واحد له فلا جميع من غير آحاد.

على أن الله تعالى يقول:"من جاء بالسيئة فلا يجزى إلا مثلها": الأنعام: 106 وثانيا: بأن كون قتل الواحد يعدل قتل الجميع إن أريد به قتل الجميع الذي يشتمل على هذا الواحد كان لازمه مساواة الواحد مجموع نفسه وغيره وهو محال بالبداهة ، وإن أريد به قتل الجميع باستثناء هذا الواحد كان معناه من قتل نفسا فكأنما قتل غيرها من النفوس ، وهو معنى رديء مفسد للغرض من الكلام وهو بيان غاية أهمية هذا الظلم.

على أن إطلاق قوله:"فكأنما قتل الناس جميعا"من غير استثناء يدفع هذا الاحتمال.

ولا يندفع هذا الإشكال بمثل قولهم: إن المراد هو المعادلة من حيث العقوبة أو مضاعفة العذاب ونحو ذلك وهو ظاهر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت