فهرس الكتاب

الصفحة 1071 من 4314

و القرآن يبطل ذلك كله بإثبات أن الأحكام المشرعة فطرية بينة ، والتقوى والفجور العامين إلهاميان علميان ، وأن تفاصيلها مما يجب أخذه من ناحية الوحي ، قال تعالى:"و لا تقف ما ليس لك به علم": إسراء: 36 وقال:"و لا تتبعوا خطوات الشيطان": البقرة: 186 والقرآن يسمى الشريعة المشرعة حقا قال تعالى:"أنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه": البقرة: 231 وقال:"و إن الظن لا يغني من الحق شيئا": النجم: 28 وكيف يغني وفي اتباعه مخافة الوقوع في خطر الباطل وهو الضلال؟ قال:"فما ذا بعد الحق إلا الضلال": يونس: 32 وقال:"فإن الله لا يهدي من يضل": النحل: 37 أي إن الضلال لا يصلح طريقا يوصل الإنسان إلى خير وسعادة فمن أراد أن يتوسل بباطل إلى حق أو بظلم إلى عدل أو بسيئة إلى حسنة أو بفجور إلى تقوى فقد أخطأ الطريق ، وطمع من الصنع والإيجاد الذي هو الأصل للشرائع والقوانين فيما لا يسمح له بذلك البتة ، ولو أمكن ذلك لجرى في خواص الأشياء المتضادة ، وتكفل أحد الضدين ما هو من شأن الآخر من العمل والأثر.

وكذلك القرآن يبطل طريق التذكر الذي فيه إبطال السلوك العلمي الفكري وعزل منطق الفطرة ، وقد تقدم الكلام في ذلك.

وكذلك القرآن يحظر على الناس التفكر من غير مصاحبة تقوى الله سبحانه ، وقد تقدم الكلام فيه أيضا في الجملة ، ولذلك ترى القرآن فيما يعلم من شرائع الدين يشفع الحكم الذي يبينه بفضائل أخلاقية وخصال حميدة تستيقظ بتذكرها في الإنسان غريزة تقواه ، فيقوى على فهم الحكم وفقهه ، واعتبر ذلك في أمثال قوله تعالى:"و إذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن فلا تعضلوهن أن ينكحن أزواجهن إذا تراضوا بينهم بالمعروف ذلك يوعظ به من كان منكم يؤمن بالله واليوم الآخر ذلكم أزكى لكم وأطهر والله يعلم وأنتم لا تعلمون": البقرة: 223 وقوله تعالى:"و قاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين لله فإن انتهوا فلا عدوان إلا على الظالمين": البقرة: 139 وقوله تعالى:"و أقم الصلوة إن الصلوة تنهى عن الفحشاء والمنكر ولذكر الله أكبر والله يعلم ما تصنعون": العنكبوت: 45.

قوله تعالى:"من أجل ذلك كتبنا على بني إسرائيل أنه من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا"في المجمع: ، الأجل في اللغة الجناية ، انتهى.

وقال الراغب في المفردات: ، الأجل الجناية التي يخاف منها آجلا ، فكل أجل جناية وليس كل جناية أجلا.

يقال: فعلت ذلك من أجله ، انتهى.

ثم استعمل للتعليل ، يقال: فعلته من أجل كذا أي إن كذا سبب فعلي ، ولعل استعمال الكلمة في التعليل ابتدأ أولا في مورد الجناية والجريرة كقولنا: أساء فلان ومن أجل ذلك أدبته بالضرب أي إن ضربي ناش من جنايته وجريرته التي هي إساءته أو من جناية هي إساءته ، ثم أرسلت كلمة تعليل فقيل: أزورك من أجل حبي لك ولأجل حبي لك.

وظاهر السياق أن الإشارة بقوله:"من أجل ذلك"إلى نبأ ابني آدم المذكور في الآيات السابقة أي إن وقوع تلك الحادثة الفجيعة كان سببا لكتابتنا على بني إسرائيل كذا وكذا ، وربما قيل: إن قوله:"من أجل ذلك"متعلق بقوله في الآية السابقة:"فأصبح من النادمين"أي كان ذلك سببا لندامته ، وهذا القول وإن كان في نفسه غير بعيد كما في قوله تعالى:"كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تتفكرون في الدنيا والآخرة ويسألونك عن اليتامى"الآية: البقرة: 202 إلا أن لازم ذلك كون قوله:"كتبنا على بني إسرائيل"إلخ مفتتح الكلام والمعهود من السياقات القرآنية أن يؤتى في مثل ذلك بواو الاستيناف كما في آية البقرة المذكورة آنفا وغيرها.

وأما وجه الإشارة في قوله:"من أجل ذلك"إلى قصة ابني آدم فهو أن القصة تدل على أن من طباع هذا النوع الإنساني أن يحمله اتباع الهوى والحسد الذي هو الحنق للناس بما ليس في اختيارهم أن يحمله أوهن شيء على منازعة الربوبية وإبطال غرض الخلقة بقتل أحدهم أخاه من نوعه وحتى شقيقه لأبيه وأمه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت