فهرس الكتاب

الصفحة 1070 من 4314

و البيانات القرآنية تجري في بث المعارف الدينية وتعليم الناس العلم النافع هذا المجرى ، وتراعي الطرق المتقدمة التي عينتها للحصول على المعلومات ، فما كان من الجزئيات التي لها خواص تقبل الإحساس فإنها تصريح فيها إلى الحواس كالآيات المشتملة على قوله:"أ لم تر أ فلا يرون أ فرأيتم ، أ فلا تبصرون"وغير ذلك وما كان من الكليات العقلية مما يتعلق بالأمور الكلية المادية أو التي هي وراء عالم الشهادة فإنها تعتبر فيها العقل اعتبارا جازما وإن كانت غائبة عن الحس خارجة عن محيط المادة والماديات ، كغالب الآيات الراجعة إلى المبدأ والمعاد المشتملة على أمثال قوله:"لقوم يعقلون ، لقوم يتفكرون ، لقوم يتذكرون ، يفقهون ، وغيرها ، وما كان من القضايا العملية التي لها مساس بالخير والشر والنافع والضار في العمل والتقوى والفجور فإنها تستند فيها إلى الإلهام الإلهي بذكر ما بتذكره يشعر الإنسان بإلهامه الباطني كالآيات المشتملة على مثل قوله:"ذلكم خير لكم ، فإنه آثم قلبه ، فيهما إثم ، والإثم والبغي بغير الحق ، إن الله لا يهدي"وغيرها ، وعليك بالتدبر فيها."

ومن هنا يظهر أولا: أن القرآن الكريم يخطىء طريق الحسيين وهم المعتمدون على الحس والتجربة ، النافون للأحكام العقلية الصرفة في الأبحاث العلمية ، وذلك أن أول ما يهتم القرآن به في بيانه هو أمر توحيد الله عز اسمه ، ثم يرجع إليه ويبتنى عليه جميع المعارف الحقيقية التي يبينها ويدعو إليها.

ومن المعلوم أن التوحيد أشد المسائل ابتعادا من الحس ، وبينونة للمادة وارتباطا بالأحكام العقلية الصرفة.

والقرآن يبين أن هذه المعارف الحقيقية من الفطرة قال:"فأقم وجهك للدين حنيفا فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله": الروم: 30 أي إن الخلقة الإنسانية نوع من الإيجاد يستتبع هذه العلوم والإدراكات ، ولا معنى لتبديل خلق إلا أن يكون نفس التبديل أيضا من الخلق والإيجاد ، وأما تبديل الإيجاد المطلق أي إبطال حكم الواقع فلا يتصور له معنى فلن يستطيع الإنسان ، وحاشا ذلك أن يبطل علومه الفطرية ، ويسلك في الحياة سبيلا آخر غير سبيلها البتة ، وأما الانحراف المشهود عن أحكام الفطرة فليس إبطالا لحكمها بل استعمالا لها في غير ما ينبغي من نحو الاستعمال نظير ما ربما يتفق أن الرامي لا يصيب الهدف في رميته فإن آلة الرمي وسائر شرائطه موضوعة بالطبع للإصابة إلا أن الاستعمال يوقعها في الغلط ، والسكاكين والمناشير والمثاقب والإبر وأمثالها إذا عبئت في الماكينات تعبئة معوجة تعمل عملها الذي فطرت عليه بعينه من قطع أو نشر أو ثقب وغير ذلك لكن لا على الوجه المقصود ، وأما الانحراف عن العمل الفطري كان يخاط بنشر المنشار ، بأن يعوض المنشار فعل الإبرة من فعل نفسه ، فيضع الخياطة موضع النشر ، فمن المحال ذلك.

وهذا ظاهر لمن تأمل عامة ما استدل به القوم على صحة طريقهم كقولهم: إن الأبحاث العقلية المحضة ، والقياسات المؤلفة من مقدمات بعيدة من الحس يكثر وقوع الخطإ فيها كما يدل عليه كثرة الاختلافات في المسائل العقلية المحضة فلا ينبغي الاعتماد عليها لعدم اطمينان النفس إليها.

وقولهم في الاستدلال على صحة طريق الحس والتجربة: أن الحس آلة لنيل خواص الأشياء بالضرورة وإذا أحس بأثر في موضوع من الموضوعات على شرائط مخصوصة ثم تكرر مشاهدة الأثر معه مع حفظ تلك الشرائط بعينها من غير تخلف واختلاف كشف ذلك عن أن هذا الأثر خاصة الموضوع من غير اتفاق لأن الاتفاق لا يدوم البتة.

والدليلان كما ترى سيقا لإثبات وجوب الاعتماد على الحس والتجربة ورفض السلوك العقلي المحض مع كون المقدمات المأخوذة فيهما جميعا مقدمات عقلية خارجة عن الحس والتجربة ثم أريد بالأخذ بهذه المقدمات العقلية إبطال الأخذ بها ، وهذا هو الذي تقدم أن الفطرة لن تبطل البتة وإنما يغلط الإنسان في كيفية استعمالها!.

وأفحش من ذلك استعمال التجربة في تشخيص الأحكام المشرعة والقوانين الموضوعة كأن يوضع حكم ثم يجري بين الناس يختبر بذلك حسن أثره بإحصاء ونحوه فإن غلب على موارد جريانه حسن النتيجة أخذ حكما ثابتا جاريا وإلا ألقى في جانب وأخذ آخر كذلك وهكذا ، ونظيره فيه جعل الحكم بقياس أو استحسان.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت