فهرس الكتاب

الصفحة 1069 من 4314

فمن زعم أنه يوحد الله سبحانه بنفي الأسباب وإلغائها ، وقدر أن ذلك أبلغ في إثبات قدرته المطلقة ونفي العجز عنه ، وزعم أن إثبات ضرورة تخلل الأسباب قول بكونه تعالى مجبرا على سلوك سبيل خاص في الإيجاد فاقدا للاختيار فقد ناقض نفسه من حيث لا يشعر.

وبالجملة فالله سبحانه هو الذي علم الإنسان خواص الأشياء التي تنالها حواسه نوعا من النيل ، علمه إياها من طريق الحواس ، ثم سخر له ما في الأرض والسماء جميعا ، قال تعالى:"و سخر لكم ما في السموات وما في الأرض جميعا منه": الجاثية: 13.

وليس هذا التسخير إلا لأن يتوسل بنوع من التصرف فيها إلى بلوغ أغراضه وأمانيه في الحياة أي أنه جعلها مرتبطة بوجوده لينتفع بها ، وجعله متفكرا يهتدي إلى كيفية التصرف والاستعمال والتوسل ، ومن الدليل على ذلك قوله تعالى:"أ لم تر أن الله سخر لكم ما في الأرض والفلك تجري في البحر بأمره": الحج: 65 ، وقوله تعالى:"و جعل لكم من الفلك والأنعام ما تركبون": الزخرف: 12 ، وقوله تعالى:"عليها وعلى الفلك تحملون": غافر: 80 وغير ذلك من الآيات المشابهة لها فانظر إلى لسان الآيات كيف نسبت جعل الفلك إلى الله سبحانه وهو من صنع الإنسان ، ثم نسب الحمل إليه تعالى وهو من صنع الفلك والأنعام ونسب جريانها في البحر إلى أمره وهو مستند إلى جريان البحر أو هبوب الريح أو البخار ونحوه ، وسمي ذلك كله تسخيرا منه للإنسان لما أن لإرادته نوع حكومة في الفلك وما يناظرها من الأنعام وفي الأرض والسماء تسوقها إلى الغايات المطلوبة له.

وبالجملة هو سبحانه أعطاه الفكر على الحس ليتوسل به إلى كماله المقدر له بسبب علومه الفكرية الجارية في التكوينيات أعني العلوم النظرية.

قال تعالى:"و جعل لكم السمع والأبصار والأفئدة لعلكم تشكرون": النحل: 78 وأما العلوم العملية وهي التي تجري فيما ينبغي أن يعمل وما لا ينبغي فإنما هي بإلهام من الله سبحانه من غير أن يوجدها حس أو عقل نظري ، قال تعالى:"و نفس وما سواها فألهمها فجورها وتقواها قد أفلح من زكاها وقد خاب من دساها": الشمس: 10 وقال:"فأقم وجهك للدين حنيفا فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم": الروم: 30 فعد العلم بما ينبغي فعله وهو الحسنة وما لا ينبغي فعله وهو السيئة مما يحصل له بالإلهام الإلهي وهو القذف في القلب.

فجميع ما يحصل للإنسان من العلم إنما هي هداية إلهية وبهداية إلهية ، غير أنها مختلفة بحسب النوع: فما كان من خواص الأشياء الخارجية فالطريق الذي يهدي به الله سبحانه الإنسان هو طريق الحس ، وما كان من العلوم الكلية الفكرية فإنما هي بإعطاء وتسخير إلهي من غير أن يبطله وجود الحس أو يستغني الإنسان عنها في حال من الأحوال ، وما كان من العلوم العملية المتعلقة بصلاح الأعمال وفسادها وما هو تقوى أو فجور فإنما هي بإلهام إلهي بالقذف في القلوب وقرع باب الفطرة.

والقسم الثالث الذي يرجع بحسب الأصل إلى إلهام إلهي إنما ينجح في عمله ويتم في أثره إذا صلح القسم الثاني ونشأ على صحة واستقامة كما أن العقل أيضا إنما يستقيم في عمله إذا استقام الإنسان في تقواه ودينه الفطري ، قال تعالى:"و ما يذكر إلا أولوا الألباب: آل عمران: 7 وقال تعالى:"و ما يتذكر إلا من ينيب": غافر: 13 وقال تعالى:"و نقلب أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا به أول مرة": الأنعام: 101 وقال تعالى:"و من يرغب عن ملة إبراهيم إلا من سفه نفسه": البقرة: 103 أي لا يترك مقتضيات الفطرة إلا من فسد عقله فسلك غير سبيله."

والاعتبار يساعد هذا التلازم الذي بين العقل والتقوى ، فإن الإنسان إذا أصيب في قوته النظرية فلم يدرك الحق حقا أو لم يدرك الباطل باطلا فكيف يلهم بلزوم هذا أو اجتناب ذاك؟ كمن يرى أن ليس وراء الحياة المادية المعجلة شيء فإنه لا يلهم التقوى الديني الذي هو خير زاد للعيشة الآخرة.

وكذلك الإنسان إذا فسد دينه الفطري ولم يتزود من التقوى الديني لم تعتدل قواه الداخلية المحسة من شهوة أو غضب أو محبة أو كراهة وغيرها ، ومع اختلال أمر هذه القوى لا تعمل قوة الإدراك النظرية عملها عملا مرضيا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت