فهرس الكتاب

الصفحة 1068 من 4314

و توضيحه أنك إذا راجعت الإنسان فيما عنده من الصور العلمية من تصور أو تصديق جزئي أو كلي وبأي صفة كانت علومه وإدراكاته وجدت عنده وإن كان من أجهل الناس وأضعفهم فهما وفكرا صورا كثيرة وعلوما جمة لا تكاد تنالها يد الإحصاء بل لا يحصيها إلا رب العالمين.

ومن المشهود من أمرها على كثرتها وخروجها عن طور الإحصاء والتعديد أنها لا تزال تزيد وتنمو مدة الحياة الإنسانية في الدنيا ، ولو تراجعنا القهقرى وجدناها تنقص ثم تنقص حتى تنتهي إلى الصفر ، وعاد الإنسان وما عنده شيء من العلم بالفعل قال تعالى:"علم الإنسان ما لم يعلم": العلق: 5.

وليس المراد بالآية أنه تعالى يعلمه ما لم يعلم وأما ما علمه فهو فيه في غنى عن تعليم ربه فإن من الضروري أن العلم في الإنسان أيا ما كان هو لهدايته إلى ما يستكمل به في وجوده وينتفع به في حياته ، والذي تسير إليه أقسام الأشياء غير الحية بالانبعاثات الطبيعية تسير وتهتدي أقسام الموجودات الحية - ومنها الإنسان - إليه بنور العلم فالعلم من مصاديق الهدى.

وقد نسب الله سبحانه مطلق الهداية إلى نفسه حيث قال:"الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى": طه: 50 وقال: الذي خلق فسوى والذي قدر فهدى": الأعلى: 3 وقال وهو بوجه من الهداية بالحس والفكر:"أمن يهديكم في ظلمات البر والبحر": النمل: 63 وقد مر شطر من الكلام في معنى الهداية في بعض المباحث السابقة ، وبالجملة لما كان كل علم هداية وكل هداية فهي من الله كان كل علم للإنسان بتعليمه تعالى."

ويقرب من قوله:"علم الإنسان ما لم يعلم"قوله:"و الله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة": النحل: 78.

والتأمل في حال الإنسان والتدبر في الآيات الكريمة يفيدان أن علم الإنسان النظري أعني العلم بخواص الأشياء وما يستتبعه من المعارف العقلية يبتدىء من الحس فيعلمه الله من طريقه خواص الأشياء كما يدل عليه قوله:"فبعث الله غرابا يبحث في الأرض ليريه كيف يواري سوأة أخيه"الآية.

فنسبة بعث الغراب لإراءة كيفية المواراة إلى الله سبحانه نسبة تعليم كيفية المواراة إليه تعالى بعينه فالغراب وإن كان لا يشعر بأن الله سبحانه هو الذي بعثه ، وكذلك ابن آدم لم يكن يدري أن هناك مدبرا يدبر أمر تفكيره وتعلمه ، وكانت سببية الغراب وبحثه بالنسبة إلى تعلمه بحسب النظر الظاهري سببية اتفاقية كسائر الأسباب الاتفاقية التي تعلم الإنسان طرق تدبير المعاش والمعاد ، لكن الله سبحانه هو الذي خلق الإنسان وساقه إلى كمال العلم لغاية حياته ، ونظم الكون نوع نظم يؤديه إلى الاستكمال بالعلم بأنواع من التماس والتصاك تقع بينه وبين أجزاء الكون ، فيتعلم بها الإنسان ما يتوسل به إلى أغراضه ومقاصده من الحياة فالله سبحانه هو الذي يبعث الغراب وغيره إلى عمل يتعلم به الإنسان شيئا فهو المعلم للإنسان.

ولهذا المعنى نظائر في القرآن كقوله تعالى:"و ما علمتم من الجوارح مكلبين تعلمونهن مما علمكم الله": المائدة: 4 عد ما علموه وعلموه مما علمهم الله وإنما تعلموه من سائر الناس أو ابتكروه بأفكار أنفسهم ، وقوله:"و اتقوا الله ويعلمكم الله": البقرة: 228 وإنما كانوا يتعلمونه من الرسول ، وقوله:"و لا يأب كاتب أن يكتب كما علمه الله": البقرة: 228 وإنما تعلم الكاتب ما علمه بالتعلم من كاتب آخر مثله إلا أن جميع ذلك أمور مقصودة في الخلق والتدبير فما حصل من هذه الأسباب من فائدة العلم الذي يستكمل به الإنسان فالله سبحانه هو معلمه بهذه الأسباب كما أن المعلم من الإنسان يعلم بالقول والتلقين ، والكاتب من الإنسان يعلم غيره بالقول والقلم مثلا.

وهذا هو السبيل في جميع ما يسند إليه تعالى في عالم الأسباب فالله تعالى هو خالقه وبينه وبين مخلوقة أسباب هي الأسباب بحسب الظاهر وهي أدوات وآلات لوجود الشيء ، وإن شئت فقل: هي من شرائط وجود الشيء الذي تعلق وجوده من جميع جهاته وأطرافه بالأسباب ، فمن شرائط وجود زيد"الذي ولده عمرو وهند"أن يتقدمه عمرو وهند وازدواج وتناكح بينهما ، وإلا لم يوجد زيد المفروض ، ومن شرائط"الإبصار بالعين الباصرة"أن تكون قبله عين باصرة ، وهكذا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت