فهرس الكتاب

الصفحة 1067 من 4314

و الآية بسياقها تدل على أن القاتل قد كان بقي زمانا على تحير من أمره ، وكان يحذر أن يعلم به غيره ، ولا يدري كيف الحيلة إلى أن لا يظفروا بجسده حتى بعث الله الغراب ، ولو كان بعث الغراب وبحثه وقتله أخاه متقاربين لم يكن وجه لقوله:"يا ويلتا أ عجزت أن أكون مثل هذا الغراب". وكذا المستفاد من السياق أن الغراب دفن شيئا في الأرض بعد البحث فإن ظاهر الكلام أن الغراب أراد إراءة كيفية المواراة لا كيفية البحث ، ومجرد البحث ما كان يعلمه كيفية المواراة وهو في سذاجة الفهم بحيث لم ينتقل ذهنه بعد إلى معنى البحث ، فكيف كان ينتقل من البحث إلى المواراة ولا تلازم بينهما بوجه؟ فإنما انتقل إلى معنى المواراة بما رأى أن الغراب بحث في الأرض ثم دفن فيها شيئا.

والغراب من بين الطير من عادته أنه يدخر بعض ما اصطاده لنفسه بدفنه في الأرض وبعض ما يقتات بالحب ونحوه من الطير وإن كان ربما بحث في الأرض لكنه للحصول على مثل الحبوب والديدان لا للدفن والإدخار.

وما تقدم من إرجاع ضمير الفاعل في"ليريه"إلى الغراب هو الظاهر من الكلام لكونه هو المرجع القريب ، وربما قيل: إن الضمير راجع إلى الله سبحانه ، ولا بأس به لكنه لا يخلو عن شيء من البعد ، والمعنى صحيح على التقديرين ، وأما قوله:"قال يا ويلتا أ عجزت أن أكون مثل هذا الغراب"، فإنما قاله لأنه استسهل ما رأى من حيلة الغراب للمواراة فإنه وجد نفسه تقدر على إتيان مثل ما أتى به الغراب من البحث ثم التوسل به إلى المواراة لظهور الرابطة بين البحث والمواراة ، وعند ذلك تأسف على ما فاته من الفائدة ، وندم على إهماله في التفكر في التوسل إلى المواراة حتى يستبين له أن البحث هو الوسيلة القريبة إليه ، فأظهر هذه الندامة بقوله:"يا ويلتا أ عجزت أن أكون مثل هذا الغراب فأواري سوأة أخي"وهو تخاطب جار بينه وبين نفسه على طريق الاستفهام الإنكاري ، والتقدير أن يستفهم منكرا: أ عجزت أن تكون مثل هذا الغراب فتواري سوأة أخيك؟ فيجاب: لا.

ثم يستفهم ثانيا استفهاما إنكاريا فيقال: فلم غفلت عن ذلك ولم تتوسل إليها بهذه الوسيلة على ظهورها وأشقيت نفسك في هذه المدة من غير سبب؟ ولا جواب عن هذه المسألة ، وفيه الندامة فإن الندامة تأثر روحي خاص من الإنسان وتألم باطني يعرضه من مشاهدته إهماله شيئا من الأسباب المؤدية إلى فوت منفعة أو حدوث مضرة ، وإن شئت فقل هي تأثر الإنسان العارض له من تذكره إهماله في الاستفادة من إمكان من الإمكانات.

وهذا حال الإنسان إذا أتى من المظالم بما يكره أن يطلع عليه الناس فإن هذه أمور لا يقبلها المجتمع بنظامه الجاري فيه ، المرتبط بعض أجزائه ببعض فلا بد أن يظهر أثر هذه الأمور المنافية له وإن خفيت على الناس في أول حدوثها ، والإنسان الظالم المجرم يريد أن يجبر النظام على قبوله وليس بقابل نظير أن يأكل الإنسان أو يشرب شيئا من السم وهو يريد أن يهضمه جهاز هضمه وليس بهاضم ، فهو وإن أمكن وروده في باطنه لكن له موعدا لن يخلفه ومرصدا لن يتجاوزه ، وإن ربك لبالمرصاد.

وعند ذلك يظهر للإنسان نقص تدبيره في بعض ما كان يجب عليه مراقبته ورعايته فيندم لذلك ، ولو عاد فأصلح هذا الواحد فسد آخر ولا يزال الأمر على ذلك حتى يفضحه الله على رءوس الأشهاد.

وقد اتضح بما تقدم من البيان: أن قوله:"فأصبح من النادمين"إشارة إلى ندامته على عدم مواراته سوأة أخيه ، وربما أمكن أن يقال: إن المراد به ندمه على أصل القتل وليس ببعيد.

كلام في معنى الإحساس والتفكير

هذا الشطر من قصة ابني آدم أعني قوله تعالى:"فبعث الله غرابا يبحث في الأرض ليريه كيف يواري سوأة أخيه قال يا ويلتا أ عجزت أن أكون مثل هذا الغراب فأواري سوأة أخي فأصبح من النادمين"آية واحدة في القرآن لا نظيرة لها من نوعها وهي تمثل حال الإنسان في الانتفاع بالحس ، وأنه يحصل خواص الأشياء من ناحية الحس ، ثم يتوسل بالتفكر فيها إلى أغراضه ومقاصده في الحياة على نحو ما يقضي به البحث العلمي أن علوم الإنسان ومعارفه تنتهي إلى الحس خلافا للقائلين بالتذكر والعلم الفطري.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت