فهرس الكتاب

الصفحة 1066 من 4314

و الإشكال عليه بأن لازمه جواز مؤاخذة الإنسان بذنب غيره ، والعقل يحكم بخلافه ، وقد قال تعالى:"لا تزر وازرة وزر أخرى": النجم: 38. مدفوع بأن ذلك ليس من أحكام العقل النظري حتى يختم عليه باستحالة الوقوع ، بل من أحكام العقل العملي التي تتبع مصالح المجتمع الإنساني في ثبوتها وتغيرها ، ومن الجائز أن يعتبر المجتمع الفعل الصادر عن أحد فعلا صادرا عن غيره ويكتبه عليه ويؤاخذه به ، أو الفعل الصادر عنه غير صادر عنه كما إذا قتل إنسانا وللمجتمع على المقتول حقوق كان يجب أن يستوفيها منه ، فمن الجائز أن يستوفي المجتمع حقوقه من القاتل ، وكما إذا بغى على المجتمع بالخروج والإفساد والإخلال بالأمن العام فإن للمجتمع أن يعتبر جميع الحسنات الباغي كأن لم تكن ، إلى غير ذلك.

ففي هذه الموارد وأمثالها لا يرى المجتمع السيئات التي صدرت من المظلوم إلا أوزارا للظالم ، وإنما تزر وازرته وزر نفسها لا وزر غيرها ، لأنها تملكتها من الغير بما أوقعته عليه من الظلم والشر نظير ما يبتاع الإنسان ما يملكه غيره بثمن ، فكما أن تصرفات المالك الجديد لا تمنع لكون المالك الأول مالكا للعين زمانا لانتقالها إلى غيره ملكا ، كذلك لا يمنع قوله:"لا تزر وازرة وزر أخرى"مؤاخذة النفس القاتلة بسيئة بمجرد أن النفس الوازرة كانت غيرها زمانا ، ولا أن قوله:"لا تزر وازرة وزر أخرى"يبقى بلا فائدة ولا أثر بسبب جواز انتقال الوزر بسبب جديد كما لا يبقى قوله (عليه السلام) :"لا يحل مال امرىء مسلم إلا بطيب نفسه"بلا فائدة بتجويز انتقال الملك ببيع ونحوه.

وقد ذكر بعض المفسرين: أن المراد بقوله:"بإثمي وإثمك"بإثم قتلي إن قتلتني وإثمك الذي كنت أثمته قبل ذلك كما نقل عن ابن مسعود وابن عباس وغيرهما ، أو أن المراد بإثم قتلي وإثمك الذي لم يتقبل من أجله قربانك كما نقل عن الجبائي والزجاج ، أو أن معناه بإثم قتلي وإثمك الذي هو قتل جميع الناس كما نقل عن آخرين.

وهذه وجوه ذكروها ليس على شيء منها من جهة اللفظ دليل ، ولا يساعد عليه اعتبار.

على أن المقابلة بين الإثمين مع كونهما جميعا للقاتل ثم تسمية أحدهما بإثم المقتول وغيره بإثم القاتل خالية عن الوجه.

قوله تعالى:"فطوعت له نفسه قتل أخيه فقتله فأصبح من الخاسرين"قال الراغب في مفرداته: الطوع الانقياد ويضاده الكره ، والطاعة مثله لكن أكثر ما يقال في الايتمار لما أمر والارتسام فيما رسم ، وقوله: فطوعت له نفسه نحو أسمحت له قرينته وانقادت له وسولت ، وطوعت أبلغ من أطاعت وطوعت له نفسه بإزاء قولهم: تابت عن كذا نفسه.

انتهى ملخصا.

وليس مراده أن طوعت مضمن معنى انقادت أو سولت بل يريد أن التطويع يدل على التدريج كالإطاعة على الدفعة ، كما هو الغالب في بابي الإفعال والتفعيل فالتطويع في الآية اقتراب تدريجي للنفس من الفعل بوسوسة بعد وسوسة وهمامة بعد همامة تنقاد لها حتى تتم لها الطاعة الكاملة فالمعنى: انقادت له نفسه وأطاعت أمره إياها بقتل أخيه طاعة تدريجية ، فقوله:"قتل أخيه"من وضع المأمور به موضع الأمر كقولهم: أطاع كذا في موضع: أطاع الأمر بكذا.

وربما قيل: إن قوله: طوعت بمعنى زينت فقوله:"قتل أخيه"مفعول به ، وقيل: بمعنى طاوعت أي طاوعت له نفسه في قتل أخيه ، فالقتل منصوب بنزع الخافض ، ومعنى الآية ظاهر.

وربما استفيد من قوله:"فأصبح من الخاسرين"أنه إنما قتله ليلا ، وفيه كما قيل: إن أصبح - وهو مقابل أمسى - وإن كان بحسب أصل معناه يفيد ذلك لكن عرف العرب يستعمله بمعنى صار من غير رعاية أصل اشتقاقه ، وفي القرآن شيء كثير من هذا القبيل كقوله:"فأصبحتم بنعمته إخوانا": آل عمران: 130 وقوله:"فيصبحوا على ما أسروا في أنفسهم نادمين": المائدة: 52 فلا سبيل إلى إثبات إرادة المعنى الأصلي في المقام.

قوله تعالى:"فبعث الله غرابا يبحث في الأرض ليريه كيف يواري سوأة أخيه"البحث طلب الشيء في التراب ثم يقال: بحثت عن الأمر بحثا كذا في المجمع ، .

والمواراة: الستر ، ومنه التواري للتستر ، والوراء لما خلف الشيء.

والسوأة ما يتكرهه الإنسان.

والويل الهلاك.

ويا ويلتا كلمة تقال عند الهلكة ، والعجز مقابل الاستطاعة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت