فهرس الكتاب

الصفحة 1065 من 4314

و كفى له علما ما خاطب به أخاه الباغي عليه من الحكمة البالغة والموعظة الحسنة فإنه بين عن طهارة طينته وصفاء فطرته: أن البشر ستكثر عدتهم ثم تختلف بحسب الطبع البشري جماعتهم فيكون منهم متقون وآخرون ظالمون ، وأن لهم جميعا ولجميع العالمين ربا واحدا يملكهم ويدبر أمرهم ، وأن من التدبير المتقن أن يحب ويرتضي العدل والإحسان ، ويكره ويسخط الظلم والعدوان ولازمه وجوب التقوى ومخافة الله على الإنسان وهو الدين ، فهناك طاعات وقربات ومعاصي ومظالم ، وأن الطاعات والقربات إنما تتقبل إذا كانت عن تقوى ، وأن المعاصي والمظالم آثام يحملها الظالم ، ومن لوازمه أن تكون هناك نشأة أخرى فيها الجزاء ، وجزاء الظالمين النار.

وهذه - كما ترى - أصول المعارف الدينية ومجامع علوم المبدأ والمعاد أفاضها هذا العبد الصالح إفاضة ضافية لأخيه الجاهل الذي لم يكن يعرف أن الشيء يمكن أن يتوارى عن الأنظار بالدفن حتى تعلمه من الغراب ، وهو لم يقل لأخيه حينما كلمه: إنك إن أردت أن تقتلني ألقيت نفسي بين يديك ولم أدافع عن نفسي ولا أتقي القتل ، وإنما قال: ما كنت لأقتلك.

ولم يقل: إني أريد أن أقتل بيدك على أي تقدير لتكون ظالما فتكون من أصحاب النار فإن التسبيب إلى ضلال أحد وشقائه في حياته ظلم وضلال في شريعة الفطرة من غير اختصاص بشرع دون شرع ، وإنما قال: إني أريد ذلك وأختاره على تقدير بسطك يدك لقتلي.

ومن هنا يظهر اندفاع ما أورد على القصة: أنه كما أن القاتل منهما أفرط بالظلم والتعدي كذلك المقتول قصر بالتفريط والانظلام حيث لم يخاطبه ولم يقابله بالدفاع عن نفسه بل سلم له أمر نفسه وطاوعه في إرادة قتله حيث قال له:"لئن بسطت إلي يدك"إلخ.

وجه الاندفاع أنه ، لم يقل: إني لا أدافع عن نفسي وأدعك وما تريد مني وإنما قال: لست أريد قتلك ، ولم يذكر في الآية أنه قتل ولم يدافع عن نفسه على علم منه بالأمر فلعله قتله غيلة أو قتله وهو يدافع أو يحترز.

وكذا ما أورد عليها أنه ذكر إرادته تمكين أخيه من قتله ليشقى بالعذاب الخالد ليكون هو بذلك سعيدا حيث قال:"إني أريد أن تبوء بإثمي وإثمك فتكون من أصحاب النار"كبعض المتقشفين من أهل العبادة والورع حيث يرى أن الذي عليه هو التزهد والتعبد ، وإن ظلمه ظالم أو تعدى عليه متعد حمل الظالم وزر ظلمه ، وليس عليه من الدفاع عن حقه إلا الصبر والاحتساب.

وهذا من الجهل ، فإنه من الإعانة على الإثم ، وهي توجب اشتراك المعين والمعان في الإثم جميعا لا انفراد الظالم بحمل الاثنين معا.

وجه الاندفاع: أن قوله:"إني أريد أن تبوء بإثمي وإثمك"، قول على تقدير بالمعنى الذي تقدم بيانه.

وقد أجيب عن الإشكالين ببعض وجوه سخيفة لا جدوى في ذكرها.

قوله تعالى:"إني أريد أن تبوء بإثمي وإثمك فتكون من أصحاب النار"، أي ترجع بإثمي وإثمك كما فسره بعضهم ، وقال الراغب في مفرداته: أصل البواء مساواة الأجزاء في المكان خلاف النبوة الذي هو منافاة الأجزاء يقال: مكان بواء إذا لم يكن نابئا بنازلة ، وبوأت له مكانا: سويته فتبوء - إلى أن قال - وقوله: إني أريد أن تبوء بإثمي وإثمك أي تقيم بهذه الحالة.

قال: أنكرت باطلها وبؤت بحقها.

انتهى وعلى هذا فتفسيره بالرجوع تفسير بلازم المعنى.

والمراد بقوله:"أن تبوء بإثمي وإثمك"أن ينتقل إثم المقتول ظلما إلى قاتله على إثمه الذي كان له فيجتمع عليه الإثمان ، والمقتول يلقى الله سبحانه ولا إثم عليه ، فهذا ظاهر قوله:"أن تبوء بإثمي وإثمك"وقد ورد بذلك الروايات والاعتبار العقلي يساعد عليه.

وقد تقدم شطر من البحث فيه في الكلام على أحكام الأعمال في الجزء الثاني من الكتاب.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت