فهرس الكتاب

الصفحة 1064 من 4314

و ثانيا: أن القاتل لو أراد قتله وبسط إليه يده لذلك ما هو بباسط يده إليه ليقتله لتقواه وخوفه من الله سبحانه ، وإنما يريد على هذا التقدير أن يرجع القاتل وهو يحمل إثم المقتول وإثم نفسه فيكون من أصحاب النار وذلك جزاء الظالمين.

فقوله:"إنما يتقبل الله من المتقين"مسوق لقصر الإفراد للدلالة على أن التقبل لا يشمل قربان التقي وغير التقي جميعا ، أو لقصر القلب كأن القاتل كان يزعم أنه سيتقبل قربانه دون قربان المقتول زعما منه أن الأمر لا يدور مدار التقوى أو أن الله سبحانه غير عالم بحقيقة الحال ، يمكن أن يشتبه عليه الأمر كما ربما يشتبه على الإنسان.

وفي الكلام بيان لحقيقة الأمر في تقبل العبادات والقرابين ، وموعظة وبلاغ في أمر القتل والظلم والحسد ، وثبوت المجازاة الإلهية وأن ذلك من لوازم ربوبية رب العالمين فإن الربوبية لا تتم إلا بنظام متقن بين أجزاء العالم يؤدي إلى تقدير الأعمال بميزان العدل وجزاء الظلم بالعذاب الأليم ليرتدع الظالم عن ظلمه أو يجزى بجزائه الذي أعده لنفسه وهو النار.

قوله تعالى:"لئن بسطت إلي يدك لتقتلني ما أنا بباسط يدي إليك"إلخ اللام للقسم ، وبسط اليد إليه كناية عن الأخذ بمقدمات القتل وإعمال أسبابه ، وقد أتى في جواب الشرط بالنفي الوارد على الجملة الإسمية ، وبالصفة بباسط دون الفعل وأكد النفي بالباء ثم الكلام بالقسم ، كل ذلك للدلالة على أنه بمراحل من البعد من إرادة قتل أخيه ، لا يهم به ولا يخطر بباله.

وأكد ذلك كله بتعليل ما ادعاه من قوله:"ما أنا بباسط يدي"إلخ:"بقوله إني أخاف الله رب العالمين"فإن ذكر المتقين لربهم وهو الله رب العالمين الذي يجازي في كل إثم بما يتعقبه من العذاب ينبه في نفوسهم غريزة الخوف من الله تعالى ، ولا يخليهم وإن يرتكبوا ظلما يوردهم مورد الهلكة.

ثم ذكر تأويل قوله:"لئن بسطت إلي يدك لتقتلني ما أنا بباسط يدي"إلخ بمعنى حقيقة هذا الذي أخبر به ، ومحصله أن الأمر على هذا التقدير يدور بين أن يقتل هو أخاه فيكون هو الظالم الحامل للإثم الداخل في النار ، أو يقتله أخوه فيكون هو كذلك ، وليس يختار قتل أخيه الظالم على سعادة نفسه وليس بظالم ، بل يختار أن يشقى أخوه الظالم بقتله ويسعد هو وليس بظالم ، وهذا هو المراد بقوله:"إني أريد ، إلخ"كنى بالإرادة عن الاختيار على تقدير دوران الأمر.

فالآية في كونها تأويلا لقوله:"لئن بسطت إلي يدك"إلخ كالذي وقع في قصة موسى وصاحبه حين قتل غلاما لقياه فاعترض عليه موسى بقوله:"أ قتلت نفسا زكية بغير نفس لقد جئت شيئا نكرا"فنبأه صاحبه بتأويل ما فعل بقوله:"و أما الغلام فكان أبواه مؤمنين فخشينا أن يرهقهما طغيانا وكفرا فأردنا أن يبدلهما ربهما خيرا منه زكاة وأقرب رحما": الكهف: 81.

فقد أراد المقتول أي اختار الموت مع السعادة وإن استلزم شقاء أخيه بسوء اختياره على الحياة مع الشقاء والدخول في حزب الظالمين ، كما اختار صاحب موسى موت الغلام مع السعادة وإن استلزم الحزن والأسى من أبويه على حياته وصيرورته طاغيا كافرا يضل بنفسه ويضل أبويه ، والله يعوضهما منه من هو خير منه زكاة وأقرب رحما.

والرجل أعني ابن آدم المقتول من المتقين العلماء بالله ، أما كونه من المتقين فلقوله:"إنما يتقبل الله من المتقين"المتضمن لدعوى التقوى ، وقد أمضاها الله تعالى بنقله من غير رد ، وأما كونه من العلماء بالله فلقوله:"إني أخاف الله رب العالمين"فقد ادعى مخافة الله وأمضاها الله سبحانه منه ، وقد قال تعالى:"إنما يخشى الله من عباده العلماء": فاطر: 28 فحكايته تعالى قوله:"إني أخاف الله رب العالمين"وإمضاؤه له توصيف له بالعلم كما وصف صاحب موسى أيضا بالعلم إذ قال:"و علمناه من لدنا علما": الكهف: 65.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت