فهرس الكتاب

الصفحة 1063 من 4314

فأجاب القائل بقوله ولذلك قال تعالى إلخ إن القاتل والمقتول لم يكونا ابني آدم أبي البشر حتى تكون قصتهما مشتملة على حادثة من الحوادث الأولية بين النوع الإنساني فيكون عبرة يعتبر بها كل من جاء بعدهما ، وإنما هما ابنا رجل من بني إسرائيل وكان نبأهما من الأخبار القومية الخاصة ولذلك أخذ عبرة مكتوبة لخصوص بني إسرائيل.

لكن ذلك لا يحسم مادة الإشكال فإن السؤال بعد باق على حاله فإن كون قتل الواحد بمنزلة قتل الجميع وإحياء الواحد بمنزلة إحياء الجميع معنى يرتبط بكل قتل وقع بين هذا النوع من غير اختصاصه ببعض دون بعض ، وقد وقع ما لا يحصى من القتل قبل بني إسرائيل ، وقبل هذا القتل الذي يشير إليه ، فما باله رتب على قتل خاص وكتب على قوم خاص؟.

على أن الأمر لو كان كما يقول كان الأحسن أن يقال: من قتل منكم نفسا إلخ ليكون خاصا بهم ، ثم يعود السؤال في هذا التخصيص مع عدم استقامته في نفسه.

والجواب عن أصل الإشكال أن الذي يشتمل عليه قوله:"إنه من قتل نفسا بغير نفس"الآية حكمة بالغة وليس بحكم مشرع فالمراد بالكتابة عليهم بيان هذه الحكمة لهم مع عموم فائدتها لهم ولغيرهم كالحكم والمواعظ التي بينت في القرآن لأمة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) مع عدم انحصار فائدتها فيهم.

وإنما ذكر في الآية أنه بينه لهم لأن الآيات مسوقة لعظتهم وتنبيههم وتوبيخهم على ما حسدوا النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وأصروا في العناد وإشعال نار الفتن والتسبيب إلى القتال ومباشرة الحروب على المسلمين ، ولذلك ذيل قوله:"من قتل نفسا"إلخ بقوله:"و لقد جاءتهم رسلنا بالبينات ثم إن كثيرا منهم بعد ذلك في الأرض لمسرفون"على أن أصل القصة على النحو الذي ذكره لا مأخذ له رواية ولا تاريخا.

فتبين أن قوله:"نبأ ابني آدم بالحق"يراد به قصة ابني آدم أبي البشر ، وتقييد الكلام بقوله:"بالحق"- وهو متعلق بالنبأ أو بقوله"و اتل"- لا يخلو عن إشعار أو دلالة على أن المعروف الدائر بينهم من النبإ لا يخلو من تحريف وسقط ، وهو كذلك فإن القصة موجودة في الفصل الرابع من سفر التكوين من التوراة ، وليس فيها خبر بعث الغراب وبحثه في الأرض ، والقصة مع ذلك صريحة في تجسم الرب تعالى عن ذلك علوا كبيرا.

وقوله:"إذ قربا قربانا فتقبل من أحدهما ولم يتقبل من الآخر"ظاهر السياق أن كل واحد منهما قدم إلى الرب تعالى شيئا يتقرب به وإنما لم يثن لفظ القربان لكونه في الأصل مصدرا لا يثنى ولا يجمع.

وقوله:"قال لأقتلنك قال إنما يتقبل الله من المتقين"القائل الأول هو القاتل والثاني هو المقتول ، وسياق الكلام يدل على أنهما علما تقبل قربان أحدهما وعدم تقبله من الآخر ، وأما أنهما من أين علما ذلك؟ أو بأي طريق استدلوا عليه؟ فالآية ساكتة عن ذلك.

غير أنه ذكر في موضع من كلامه تعالى: أنه كان من المعهود عند الأمم السابقة أو عند بني إسرائيل خاصة تقبل القربان المتقرب به بأكل النار إياه قال تعالى:"الذين قالوا إن الله عهد إلينا أن لا نؤمن لرسول حتى يأتينا بقربان تأكله النار قل قد جاءكم رسل من قبلي بالبينات وبالذي قلتم فلم قتلتموهم إن كنتم صادقين": آل عمران: 138 والقربان معروف عند أهل الكتاب إلى هذا اليوم فمن الممكن أن يكون التقبل للقربان في هذه القصة أيضا على ذلك النحو ، وخاصة بالنظر إلى إلقاء القصة إلى أهل الكتاب المعتقدين لذلك ، وكيف كان فالقاتل والمقتول جميعا كانا يعلمان قبوله من أحدهما ورده من الآخر.

ثم السياق يدل أيضا على أن القائل"لأقتلنك"هو الذي لم يتقبل قربانه ، وأنه إنما قال ذلك حسدا من نفسه إذ لم يكن هناك سبب آخر ، ولا أن المقتول كان قد أجرم إجراما باختيار منه حتى يواجه بمثل هذا القول ويهدد بالقتل.

فقول القاتل:"لأقتلنك"تهديد بالقتل حسدا لقبول قربان المقتول دون القاتل فقول المقتول:"إنما يتقبل الله من المتقين"إلى آخر ما حكى الله تعالى عنه جواب عما قاله القاتل فيذكر له أولا: أن مسألة قبول القربان وعدم قبوله لا صنع له في ذلك ولا إجرام ، وإنما الإجرام من قبل القاتل حيث لم يتق الله فجازاه الله بعدم قبول قربانه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت