فهرس الكتاب

الصفحة 3412 من 4314

فقوله:"أنعم الله عليه"أي بالهداية إلى الإيمان وتحبيبه إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وقوله:"و أنعمت عليه"أي بالإحسان إليه وتحريره وتخصيصه بنفسك ، وقوله: أمسك عليك زوجك واتق الله"كناية عن الكف عن تطليقها ، ولا يخلو من إشعار بإصرار زيد على تطليقها."

وقوله:"و تخفي في نفسك ما الله مبديه"أي مظهره"و تخشى الناس والله أحق أن تخشاه"ذيل الآيات أعني قوله:"الذين يبلغون رسالات الله ولا يخشون أحدا إلا الله"دليل على أن خشيته (صلى الله عليه وآله وسلم) الناس لم تكن خشية على نفسه بل كان خشية في الله فأخفى في نفسه ما أخفاه استشعارا منه أنه لو أظهره عابه الناس وطعن فيه بعض من في قلبه مرض فأثر ذلك أثرا سيئا في إيمان العامة ، وهذا الخوف - كما ترى ليس خوفا مذموما بل خوف في الله هو في الحقيقة خوف من الله سبحانه.

وقوله:"و تخشى الناس والله أحق أن تخشاه"الظاهر في نوع من العتاب ردع عن نوع من خشية الله وهي خشيته عن طريق الناس وهداية إلى نوع آخر من خشيته تعالى وأنه كان من الحري أن يخشى الله دون الناس ولا يخفي ما في نفسه ما الله مبديه وهذا نعم الشاهد على أن الله كان قد فرض له أن يتروج زوج زيد الذي كان تبناه ليرتفع بذلك الحرج عن المؤمنين في التزوج بأزواج الأدعياء وهو (صلى الله عليه وآله وسلم) كان يخفيه في نفسه إلى حين مخافة سوء أثره في الناس فآمنه الله ذلك بعتابه عليه نظير ما تقدم في قوله تعالى:"يا أيها النبي بلغ ما أنزل إليك من ربك - إلى قوله - والله يعصمك من الناس"الآية.

فظاهر العتاب الذي يلوح من قوله:"و تخشى الناس والله أحق أن تخشاه"مسوق لانتصاره وتأييد أمره قبال طعن الطاعنين ممن في قلوبهم مرض نظير ما تقدم في قوله:"عفا الله عنك لم أذنت لهم حتى يتبين لك الذين صدقوا وتعلم الكاذبين": التوبة: 43.

ومن الدليل على أنه انتصار وتأييد في صورة العتاب قوله بعد:"فلما قضى زيد منها وطرا زوجناكها"حيث أخبر عن تزويجه إياها كأنه أمر خارج عن إرادة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) واختياره ثم قوله:"و كان أمر الله مفعولا".

فقوله:"فلما قضى زيد منها وطرا زوجناكها"متفرع على ما تقدم من قوله: وتخفي في نفسك ما الله مبديه"وقضاء الوطر منها كناية عن الدخول والتمتع ، وقوله:"لكي لا يكون على المؤمنين حرج في أزواج أدعيائهم إذا قضوا منهن وطرا" تعليل للتزويج ومصلحة للحكم ، وقوله:"و كان أمر الله مفعولا"مشير إلى تحقق الوقوع وتأكيد للحكم."

ومن ذلك يظهر أن الذي كان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) يخفيه في نفسه هو ما فرض الله له أن يتزوجها لا هواها وحبه الشديد لها وهي بعد مزوجة كما ذكره جمع من المفسرين واعتذروا عنه بأنها حالة جبلية لا يكاد يسلم منها البشر فإن فيه أولا: منع أن يكون بحيث لا يقوى عليه التربية الإلهية ، وثانيا: أنه لا معنى حينئذ للعتاب على كتمانه وإخفائه في نفسه فلا مجوز في الإسلام لذكر حلائل الناس والتشبب بهن.

قوله تعالى:"ما كان على النبي من حرج فيما فرض الله له"إلخ ، الفرض هو التعيين والإسهام يقال: فرض له كذا أي عينه له وأسهمه به ، وقيل: هو في المقام بمعنى الإباحة والتجويز ، والحرج الكلفة والضيق ، والمراد بنفي الحرج نفي سببه وهو المنع عما فرض له.

والمعنى: ما كان على النبي من منع فيما عين الله له أو أباح الله له حتى يكون عليه حرج في ذلك.

وقوله:"سنة الله في الذين خلوا من قبل"اسم موضوع موضع المصدر فيكون مفعولا مطلقا والتقدير سن الله ذلك سنة ، والمراد بالذين خلوا من قبل هم الأنبياء والرسل الماضون بقرينة قوله بعد:"الذين يبلغون رسالات الله"إلخ.

وقوله:"و كان أمر الله قدرا مقدورا"أي يقدر من عنده لكل أحد ما يلائم حاله ويناسبها ، والأنبياء لم يمنعوا مما قدره الله وأباحه لغيرهم حتى يمنع النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) من بعض ما قدر وأبيح.

قوله تعالى:"الذين يبلغون رسالات الله ويخشونه ولا يخشون أحدا إلا الله"إلخ ، الموصول بيان للموصول المتقدم أعني قوله:"الذين خلوا من قبل".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت