فهرس الكتاب

الصفحة 479 من 4314

توضيحه: أن المثل في الحقيقة قصة محققة أو مفروضة مشابهة لأخرى في جهاتها يؤتى بها لينتقل ذهن المخاطب من تصورها إلى كمال تصور الممثل كقولهم: لا ناقة لي ولا جمل ، وقولهم: في الصيف ضيعت اللبن من الأمثال التي لها قصص محققة يقصد بالتمثيل تذكر السامع لها وتطبيقها لمورد الكلام للاستيضاح ، ولذا قيل: إن الأمثال لا تتغير ، وكقولنا: مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل من زرع حبة أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة ، وهي قصة مفروضة خيالية.

والمعنى الذي يشتمل عليه المثل ويكون هو الميزان الذي يوزن به حال الممثل ربما كان تمام القصة التي هي المثل كما في قوله تعالى:"و مثل كلمة خبيثة كشجرة خبيثة:"الآية: إبراهيم - 26 ، وقوله تعالى:"مثل الذين حملوا التوراة ثم لم يحملوها كمثل الحمار يحمل أسفارا:"الجمعة - 5 ، وربما كان بعض القصة مما يتقوم به غرض التمثيل وهو الذي نسميه مادة التمثيل ، وإنما جيء بالبعض الآخر لتتميم القصة كما في المثال الأخير مثال الإنفاق والحبة فإن مادة التمثيل إنما هي الحبة المنبتة لسبعمائة حبة وإنما ضممنا إليها الذي زرع لتتميم القصة.

وما كان من أمثال القرآن مادة التمثيل فيه تمام المثل فإنه وضع على ما هو عليه ، وما كان منها مادة التمثيل فيه بعض القصة فإنه اقتصر على مادة التمثيل فوضعت موضع تمام القصة لأن الغرض من التمثيل حاصل بذلك ، على ما فيه من تنشيط ذهن السامع بفقده أمرا ووجدانه أمرا آخر مقامه يفي بالغرض منه ، فهو هو بوجه وليس به بوجه ، فهذا من الإيجاز بالقلب على وجه لطيف يستعمله القرآن.

قوله تعالى: أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة ، السنبل معروف وهو على فنعل ، قيل الأصل في معنى مادته الستر سمي به لأنه يستر الحبات التي تشتمل عليها في الأغلفة.

ومن أسخف الإشكال ما أورد على الآية أنه تمثيل بما لا تحقق له في الخارج وهو اشتمال السنبلة على مائة حبة ، وفيه أن المثل كما عرفت لا يشترط فيه تحقق مضمونه في الخارج فالأمثال التخيلية أكثر من أن تعد وتحصى ، على أن اشتمال السنبلة على مائة حبة وإنبات الحبة الواحدة سبعماة حبة ليس بعزيز الوجود.

قوله تعالى: والله يضاعف لمن يشاء والله واسع عليم ، أي يزيد على سبعمائة لمن يشاء فهو الواسع لا مانع من جوده ولا محدد لفضله كما قال تعالى:"من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا فيضاعفه له أضعافا كثيرة:"البقرة - 245 ، فأطلق الكثرة ولم يقيدها بعدد معين.

وقيل: إن معناه أن الله يضاعف هذه المضاعفة لمن يشاء فالمضاعفة إلى سبعمائة ضعف غاية ما تدل عليه الآية ، وفيه أن الجملة على هذا يقع موقع التعليل ، وحق الكلام فيه حينئذ أن يصدر بأن كقوله تعالى:"الله الذي جعل لكم الليل لتسكنوا فيه والنهار مبصرا إن الله لذو فضل على الناس:"المؤمن - 61 ، وأمثال ذلك.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت