و لم يقيد ما ضربه الله من المثل بالآخرة بل الكلام مطلق يشمل الدنيا كالآخرة وهو كذلك والاعتبار يساعده ، فالمنفق بشيء من ماله وإن كان يخطر بباله ابتداء أن المال قد فات عنه ولم يخلف بدلا ، لكنه لو تأمل قليلا وجد أن المجتمع الإنساني بمنزلة شخص واحد ذو أعضاء مختلفة بحسب الأسماء والأشكال لكنها جميعا متحدة في غرض الحياة ، مرتبطة من حيث الأثر والفائدة ، فإذا فقد واحد منها نعمة الصحة والاستقامة ، وعي في فعله أوجب ذلك كلال الجميع في فعلها ، وخسرانها في أغراضها فالعين واليد وإن كانا عضوين اثنين من حيث الاسم والفعل ظاهرا ، لكن الخلقة إنما جهز الإنسان بالبصر ليميز به الأشياء ضوءا ولونا وقربا وبعدا فتتناول اليد ما يجب أن يجلبه الإنسان لنفسه ، وتدفع ما يجب أن يدفعه عن نفسه ، فإذا سقطت اليد عن التأثير وجب أن يتدارك الإنسان ما يفوته من عامة فوائدها بسائر أعضائه فيقاسي أولا كدا وتعبا لا يتحمل عادة ، وينقص من أفعال سائر الأعضاء بمقدار ما يستعملها في موضع العضو الساقط عن التأثير ، وأما لو أصلح حال يده الفاسدة بفضل ما ادخره لبعض الأعضاء الآخر كان في ذلك إصلاح حال الجميع ، وعاد إليه من الفائدة الحقيقية أضعاف ما فاته من الفضل المفيد أضعافا ربما زاد على المئات والألوف بما يورث من إصلاح حال الغير ، ودفع الرذائل التي يمكنها الفقر والحاجة في نفسه ، وإيجاد المحبة في قلبه ، وحسن الذكر في لسانه ، والنشاط في عمله ، والمجتمع يربط جميع ذلك ويرجعه إلى المنفق لا محالة ، ولا سيما إذا كان الإنفاق لدفع الحوائج النوعية كالتعليم والتربية ونحو ذلك ، فهذا حال الإنفاق.
وإذا كان الإنفاق في سبيل الله وابتغاء مرضاة الله كان النماء والزيادة من لوازمه من غير تخلف ، فإن الإنفاق لو لم يكن لوجه الله لم يكن إلا لفائدة عائدة إلى نفس المنفق كإنفاق الغني للفقير لدفع شره ، أو إنفاق المثري الموسر للمعسر ليدفع حاجته ويعتدل حال المجتمع فيصفو للمثري المنفق عيشه ، وهذا نوع استخدام للفقير واستثمار منه لنفع نفسه ، ربما أورث في نفس الفقير أثرا سيئا ، وربما تراكمت الآثار وظهرت فكانت بلوى ، لكن الإنفاق الذي لا يراد به إلا وجه الله ولا يبتغي فيه إلا مرضاته خال عن هذه النواقص لا يؤثر إلا الجميل ولا يتعقبه إلا الخير.
قوله تعالى: الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله ثم لا يتبعون ما أنفقوا منا ولا أذى"إلخ"، الاتباع اللحوق والإلحاق ، قال تعالى:"فأتبعوهم مشرقين:"الشعراء - 60 ، أي لحقوهم ، وقال تعالى:"فأتبعناهم في هذه الدنيا لعنة:"القصص - 42 ، أي ألحقناهم.
والمن هو ذكر ما ينغص المعروف كقول المنعم للمنعم عليه: أنعمت عليك بكذا وكذا ونحو ذلك ، والأصل في معناه على ما قيل القطع ، ومنه قوله تعالى:"لهم أجر غير ممنون": فصلت - 8 ، أي غير مقطوع ، والأذى الضرر العاجل أو الضرر اليسير ، والخوف توقع الضرر ، والحزن الغم الذي يغلظ على النفس من مكروه واقع أو كالواقع.
قوله تعالى: قول معروف ومغفرة خير من صدقة"إلخ"المعروف من القول ما لا ينكره الناس بحسب العادة ، ويختلف باختلاف الموارد ، والأصل في معنى المغفرة هو الستر ، والغنى مقابل الحاجة والفقر ، والحلم السكوت عند المكروه من قول أو فعل.
وترجيح القول المعروف والمغفرة على صدقة يتبعها أذى ثم المقابلة يشهد بأن المراد بالقول المعروف الدعاء أو لفظ آخر جميل عند رد السائل إذا لم يتكلم بما يسوء المسئول عنه ، والستر والصفح إذا شفع سؤاله بما يسوؤه وهما خير من صدقة يتبعها أذى ، فإن أذى المنفق للمنفق عليه يدل على عظم إنفاقه والمال الذي أنفقه في عينه ، وتأثره عما يسوؤه من السؤال ، وهما علتان يجب أن تزاحا عن نفس المؤمن ، فإن المؤمن متخلق بأخلاق الله ، والله سبحانه غني لا يكبر عنده ما أنعم وجاد به ، حليم لا يتعجل في المؤاخذة على السيئة ، ولا يغضب عند كل جهالة ، وهذا معنى ختم الآية بقوله: والله غني حليم.