فهرس الكتاب

الصفحة 1059 من 4314

و كان هذا التفسير باستناد منهم إلى بعض الأخبار الواردة في تفسير الآيات لكنه من الآحاد المشتملة على ما لا شاهد له من الكتاب وغيره.

وقوله:"ادخلوا عليهم الباب"لعل المراد به أول بلد من بلاد أولئك الجبابرة يلي بني إسرائيل ، وقد كان على ما يقال: أريحا ، وهذا استعمال شائع أو المراد باب البلدة.

وقوله:"فإذا دخلتموه فإنكم غالبون"وعد منهما لهم بالفتح والظفر على العدو ، وإنما أخبرا إخبارا بتيا اتكالا منهما بما ذكره موسى (عليه السلام) أن الله كتب لهم تلك الأرض لإيمانهما بصدق إخباره ، أو أنهما عرفا ذلك بنور الولاية الإلهية.

وقد ذكر المعظم من مفسري الفريقين: أن الرجلين هما يوشع بن نون وكالب بن يوفنا وهما من نقباء بني إسرائيل الاثني عشر.

ثم دعواهم إلى التوكل على ربهم بقولهما:"و على الله فتوكلوا إن كنتم مؤمنين"لأن الله سبحانه كافي من توكل عليه وفيه تطييب لنفوسهم وتشجيع لهم.

قوله تعالى:"قالوا يا موسى إنا لن ندخلها أبدا ما داموا فيها"الآية تكرارهم قولهم:"إنا لن ندخلها"ثانيا لإيئاس موسى (عليه السلام) من أن يصر على دعوته فيعود إلى الدعوة بعد الدعوة.

وفي الكلام وجوه من الإهانة والإزراء والتهكم بمقام موسى وما ذكرهم به من أمر ربهم ووعده فقد سرد الكلام سردا عجيبا ، فهم أعرضوا عن مخاطبة الرجلين الداعيين إلى دعوة موسى (عليه السلام) أولا ، ثم أوجزوا الكلام مع موسى بعد ما أطنبوا فيه بذكر السبب والخصوصيات في بادىء كلامهم ، وفي الإيجاز بعد الإطناب في مقام التخاصم والتجاوب دلالة على استملال الكلام وكراهة استماع الحديث أن يمضي عليه المتخاصم الآخر.

ثم أكدوا قولهم:"لن ندخلها"ثانيا بقولهم:"أبدا"ثم جرأهم الجهالة على ما هو أعظم من ذلك كله ، وهو قولهم مفرعين على ردهم الدعوة:"فاذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون". وفي الكلام أوضح الدلالة على كونهم مشبهين كالوثنيين ، وهو كذلك فإنهم القائلون على ما يحكيه الله سبحانه عنهم في قوله:"و جاوزنا ببني إسرائيل البحر فأتوا على قوم يعكفون على أصنام لهم قالوا يا موسى اجعل لنا إلها كما لهم آلهة قال إنكم قوم تجهلون": الأعراف: 183 ولم يزالوا على التجسيم والتشبيه حتى اليوم على ما يدل عليه كتبهم الدائرة بينهم.

قوله تعالى:"قال رب إني لا أملك إلا نفسي وأخي فافرق بيننا وبين القوم الفاسقين"السياق يدل على أن قوله:"إني لا أملك إلا نفسي وأخي"كناية عن نفي القدرة على حمل غير نفسه وأخيه على ما أتاهم به من الدعوة.

فإنه إنما كان في مقدرته حمل نفسه على إمضاء ما دعا إليه وحمل أخيه هارون وقد كان نبيا مرسلا وخليفة له في حياته لا يتمرد عن أمر الله سبحانه.

أو إن المراد أنه ليس له قدرة إلا على نفسه ولا لأخيه قدرة إلا كذلك.

وليس مراده نفي مطلق القدرة حتى من حيث إجابة المسئول لإيمان ونحوه حتى ينافي ظاهر سياق الآية أن الرجلين من الذين يخافون وآخرين غيرهما كانوا مؤمنين به مستجيبين لدعوته فإنه لم يذكر فيمن يملكه حتى أهله وأهل أخيه مع أن الظاهر أنهم ما كانوا ليتخلفوا عن أوامره.

وذلك أن المقام لا يقتضي إلا ذلك فإنه دعاهم إلى خطب مشروع فأبلغ وأعذر فرد عليه المجتمع الإسرائيلي دعوته أشنع رد وأقبحه ، فكان مقتضى هذا الحال أن يقول: رب إني أبلغت وأعذرت ولا أملك في إقامة أمرك إلا نفسي وكذلك أخي ، وقد قمنا بما علينا من واجب التكليف ولكن القوم واجهونا بأشد الامتناع ، ونحن الآن آيسان منهم ، والسبيل منقطع فاحلل أنت هذه العقدة ومهد بربوبيتك السبيل إلى نيل ما وعدته لهم من تمام النعمة وإيراثهم الأرض واستخلافهم فيها ، واحكم وافصل بيننا وبين هؤلاء الفاسقين.

وهذا المورد على خلاف جميع الموارد التي عصوا فيها أمر موسى كمسألة الرؤية وعبادة العجل ودخول الباب وقول حطة وغيرها يختص بالرد الصريح من المجتمع الإسرائيلي لأمره من غير أي رفق وملاءمة ، ولو تركهم موسى على حالهم ، وأغمض عن أمره لبطلت الدعوة من أصلها ، ولم يتمش له بعد ذلك أمر ولا نهي وتلاشت بينهم أركان ما أوجده من الوحدة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت