فهرس الكتاب

الصفحة 1058 من 4314

و هذا هو الظاهر من القرآن في معنى كتابة الأرض المقدسة لهم ، والآيات مع ذلك مبهمة في زمان الكتابة ومقدارها غير أن قوله تعالى في ذيل آيات سورة الإسراء:"و إن عدتم عدنا وجعلنا جهنم للكافرين حصيرا": إسراء: 8 وكذا قول موسى لهم في ذيل الآية السابقة:"عسى ربكم أن يهلك عدوكم ويستخلفكم في الأرض فينظر كيف تعملون": الأعراف: 192 وقوله أيضا:"و إذ قال موسى لقومه اذكروا نعمة الله عليكم - إلى أن قال - وإذ تأذن ربكم لئن شكرتم لأزيدنكم ولئن كفرتم إن عذابي لشديد": إبراهيم: 7 وما يناظرها من الآيات تدل على أن هذه الكتابة كتابة مشترطة لا مطلقة غير قابلة للتغير والتبدل.

وقد ذكر بعض المفسرين أن مراد موسى في محكي قوله في الآية:"كتب الله لكم"ما وعد الله إبراهيم (عليه السلام) ، ثم ذكر ما في التوراة من وعد الله إبراهيم وإسحاق ويعقوب أنه سيعطي الأرض لنسلهم ، وأطال البحث في ذلك.

ولا يهمنا البحث في ذلك على شريطة الكتاب سواء كانت هذه العدات من التوراة الأصلية أو مما لعبت به يد التحريف فإن القرآن لا يفسر بالتوراة.

قوله تعالى:"قالوا يا موسى إن فيها قوما جبارين وإنا لن ندخلها حتى يخرجوا منها فإن يخرجوا منها فإنا داخلون"قال الراغب: أصل الجبر إصلاح الشيء بضرب من القهر يقال: جبرته فانجبر واجتبر.

قال: وقد يقال الجبر تارة في الإصلاح المجرد نحو قول علي رضي الله عنه: يا جابر كل كسير ويا مسهل كل عسير ، ومنه قولهم للخبز: جابر بن حبة ، وتارة في القهر المجرد نحو قوله (عليه السلام) : لا جبر ولا تفويض ، قال: والإجبار في الأصل حمل الغير على أن يجبر الآخر لكن تعورف في الإكراه المجرد فقيل: أجبرته على كذا كقولك: أكرهته.

قال: والجبار في صفة الإنسان يقال لمن يجبر نقيصة بادعاء منزلة من التعالي لا يستحقها ، وهذا لا يقال إلا على طريق الذم كقوله عز وجل:"و خاب كل جبار عنيد"وقوله تعالى.

"و لم يجعلني جبارا شقيا"وقوله عز وجل:"إن فيها قوما جبارين"قال: ولتصور القهر بالعلو على الأقران قيل: نخلة جبارة وناقة جبارة انتهى موضع الحاجة.

فظهر أن المراد بالجبارين هم أولو السطوة والقوة من الذين يجبرون الناس على ما يريدون.

وقوله:"و إنا لن ندخلها حتى يخرجوا منها"اشتراط منهم خروج القوم الجبارين في دخول الأرض ، وحقيقته الرد لأمر موسى وإن وعدوه ثانيا الدخول على الشرط بقولهم:"فإن يخرجوا منها فإنا داخلون".

وقد ورد في عدة من الأخبار في صفة هؤلاء الجبارين من العمالقة وعظم أجسامهم وطول قامتهم أمور عجيبة لا يستطيع ذو عقل سليم أن يصدقها ، ولا يوجد في الآثار الأرضية والأبحاث الطبيعية ما يؤيدها فليست إلا موضوعة مدسوسة.

قوله تعالى:"قال رجلان من الذين يخافون أنعم الله عليهما"إلى آخر الآية ظاهر السياق أن المراد بالمخافة مخافة الله سبحانه وأن هناك رجالا كانوا يخافون الله أن يعصوا أمره وأمر نبيه ، ومنهم هذان الرجلان اللذان قالا ، ما قالا وأنهما كانا يختصان من بين أولئك الذين يخافون بأن الله أنعم عليهما ، وقد مر في موارد تقدمت من الكتاب أن النعمة إذا أطلقت في عرف القرآن يراد بها الولاية الإلهية فهما كانا من أولياء الله تعالى ، وهذا في نفسه قرينة على أن المراد بالمخافة مخافة الله سبحانه فإن أولياء الله لا يخشون غيره قال تعالى:"ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون": يونس: 62.

ويمكن أن يكون متعلق"أنعم"المحذوف أعني المنعم به هو الخوف ، فيكون المراد أن الله أنعم عليهما بمخافته ، ويكون حذف مفعول"يخافون"للاكتفاء بذكره في قوله:"أنعم الله عليهما"إذ من المعلوم أن مخافتهما لم يكن من أولئك القوم الجبارين وإلا لم يدعو بني إسرائيل إلى الدخول بقولهما:"ادخلوا عليهم الباب".

وذكر بعض المفسرين: أن ضمير الجمع في"يخافون"عائد إلى بني إسرائيل والضمير العائد إلى الموصول محذوف ، والمعنى: وقال رجلان من الذين يخافهم بنو إسرائيل قد أنعم الله على الرجلين بالإسلام ، وأيدوه بما نسب إلى ابن جبير من قراءة"يخافون"بضم الياء قالوا.

وذلك أن رجلين من العمالقة كانا قد آمنا بموسى ، ولحقا بني إسرائيل ثم قالا لبني إسرائيل ما قالا إراءة لطريق الظفر على العمالقة والاستيلاء على بلادهم وأرضهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت