فهرس الكتاب

الصفحة 1345 من 4314

و لذلك ذيل بقوله وهو كالنتيجة في الحجة: ليجمعنكم إلى يوم القيامة لا ريب فيه فأكد المعنى بأبلغ التأكيد: لام القسم ونون التأكيد وقوله: لا ريب فيه.

ثم أشار إلى أن الربح في هذا اليوم للمؤمنين والخسران على غيرهم فقال:"الذين خسروا أنفسهم فهم لا يؤمنون".

والحجة التي أقيمت في هذه الآية على المعاد غير ما أقيمت من الحجتين عليه في قوله تعالى:"و ما خلقنا السماء والأرض وما بينهما باطلا ذلك ظن الذين كفروا فويل للذين كفروا من النار ، أم نجعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين في الأرض أم نجعل المتقين كالفجار": ص: 28 فإن الآيتين تقيمان الحجة على المعاد من جهة أن فعله تعالى ليس بباطل بل له غاية ، ومن جهة أن التسوية بين المؤمن والكافر والمتقي والفاجر ظلم لا يليق به تعالى ، وهما في الدنيا لا يتميزان فلا بد من نشأة أخرى يتميزان فيها بالسعادة والشقاوة ، وهذا غير ما في هذه الآية من السلوك إلى المطلوب من طريق الرحمة.

قوله تعالى:"و له ما سكن في الليل والنهار وهو السميع العليم"السكون في الليل والنهار هو الوقوع في ظرف هذا العالم الطبيعي الذي يدبر أمره بالليل والنهار ، ويجري نظامه بغشيان النور الساكب من شمس مضيئة ، وعمل التحولات النورية فيه بالقرب والبعد والكثرة والقلة والحضور والغيبة والمسامتة وغيرها.

فالليل والنهار هما المهد العام يربى فيه العناصر الكلية ومواليدها تربية تسوق كل جزء من أجزائها وكل شخص من أشخاصها إلى غايته التي قدرت له ، وتكملها روحا وجسما.

وكما أن للمسكن عاما وخاصا دخلا تاما في كينونة الساكن كالإنسان مثلا يسكن أرضا فيطوف بها في طلب الرزق ، ويرتزق مما يخرج منها من حب وفاكهة وما يتربى فيها من حيوان ، ويشرب من مائها ، ويستنشق من هوائها ، ويفعل وينفعل من كيفيات منطقتها ، وينمو جميع أجزاء جسمه على حسب تقديرها كذلك الليل والنهار لهما الدخل التام في تكون عامة ما يتكون فيهما.

والإنسان من الأشياء الساكنة في الليل والنهار تكون بمشية الله من ائتلاف أجزاء بسيطة ومركبة على صورة خاصة يمتاز وجوده حدوثا وبقاء بحياة تقوم على شعور فكري وإرادة يتهيئان له من قوى له باطنية عاطفية تأمره بجذب المنافع ودفع المضار ، وتدعوه إلى إيجاد مجتمع متشكل فيه ما نراه من تفاصيل التفاهم باللغات والتباني على اتباع السنن والقوانين والعادات في المعاشرات والمعاملات ، واحترام الآراء والعقائد العامة في الحسن والقبح والعدل والظلم والطاعة والمعصية والثواب والعقاب والجزاء والعفو.

وإذا كان الله سبحانه هو الخالق لليل والنهار وما سكن فيهما المتفرد بإيجادها فله ما سكن في الليل والنهار ، وهو المالك الحق لجميع الليل والنهار وسكانهما وما يستعقب وجودها من الحوادث والأفعال والأقوال ، وله النظام الجاري فيها على عجيب سعته فهو السميع لأقوالنا من أصوات وإشارات ، والعليم بأعمالنا وأفعالنا بما لها من صفتي الحسن والقبح ، والعدل والظلم والإحسان والإساءة ، وما تكتسبه النفوس من سعادة وشقاء.

وكيف يمكنه الجهل بذلك وقد نشأ الجميع في ملكه وبإذنه؟ ونحو وجود هذا النوع من الأمور أعني الحسن والقبح والعدل والظلم والطاعة والمعصية ، وكذا اللغات الدالة على المعاني الذهنية كل ذلك أمور علمية لا تحقق لها في غير ظرف العلم ، ولذلك نرى أن الفعل لا يقع منا حسنا ولا قبيحا ولا طاعة ولا معصية ، والصوت المؤلف لا يسمى كلاما إلا إذا علمنا به وقصدنا وجهه.

وكيف يمكن أن يملك شيء علمي في نفسه من حيث كونه كذلك ثم يجهله مالكه ولا يعلم به؟ أجد التأمل فيه.

والله سبحانه هو الذي أوجد هذا العالم على عجيب سعته في أجزائه البسيطة والعنصرية والمركبة على نظام يدهش اللب ، ثم خلقنا وأسكننا الليل والنهار ثم كثرنا وأجرى بيننا نظام الاجتماع الإنساني ثم هدانا إلى وضع اللغات ، واعتبار السنن ووضع الاعتبارات ، ولم يزل يصاحبنا ويصاحب سائر الأسباب خطوة خطوة ، ويجارينا وإياها في مسير الليل والنهار لحظة لحظة ، وساق حوادث لا نحصيها حادثة بعد حادثة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت