و هذه الآية تبين حال الفريق الآخر وهم المؤمنون وأن الله سبحانه يمد المهتدين منهم وهم المؤمنون بالهدى فيزيدهم هدى على هداهم فيوفقون للأعمال الباقية الصالحة وهي خير أجرا وخير دارا وهي الجنة ودائم نعيمها فما عند المؤمنين من أمتعة الحياة وهي النعيم المقيم خير مما عند الكافرين من الزخارف الغارة الفانية.
وفي قوله:"عند ربك"إشارة إلى أن الحكم بخيرية ما للمؤمنين من ثواب ومرد حكم إلهي لا يخطىء ولا يغلط البتة.
وهاتان الآيتان - كما ترى - جواب ثان عن حجة الكفار أعني قولهم:"أي الفريقين خير مقاما وأحسن نديا".
قوله تعالى:"أ فرأيت الذي كفر بآياتنا وقال لأوتين مالا وولدا"كما أن سياق الآيات الأربع السابقة يعطي أن الحجة الفاسدة المذكورة قول بعض المشركين ممن تلي عليه القرآن فقال ما قال دحضا لكلمة الحق واستغواء واستخفافا للمؤمنين كذلك سياق هذه الآيات الأربع وقد افتتحت بكلمة التعجيب واشتملت بقول يشبه القول السابق واختتمت بما يناسبه من الجواب يعطي أن بعض الناس ممن آمن بالنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أو كان في معرض ذلك بعد ما سمع قول الكفار مال إليهم ولحق بهم قائلا لأوتين مالا وولدا يعني في الدنيا باتباع ملة الشرك كان في الإيمان بالله شؤما وفي اتخاذ الآلهة ميمنة.
فرده الله سبحانه بقوله:"أطلع الغيب"إلخ.
وأما ما ذكره الأكثر بالبناء على ما ورد من سبب النزول أن الجملة قول أحد المتعرقين في الشرك من قريش خاطب به خباب بن الأرت حين طالبه دينا كان له عليه ، وأن معنى الجملة لأوتين مالا وولدا في الجنة فأؤدي ديني فشيء لا يلائم سياق الآيات إذ من المعلوم أن المشركين ما كانوا مذعنين بالبعث أصلا ، فقوله لأوتين مالا وولدا إذا بعثت وعند ذلك أؤدي ديني لا يحتمل إلا الاستهزاء والتهكم ولا معنى لرد الاستهزاء بالاحتجاج كما هو صريح قوله:"أطلع الغيب أم اتخذ عند الرحمن عهدا"إلخ.
ونظير هذا القول في السقوط ما نقل عن أبي مسلم المفسر أن الآية عامة فيمن له هذه الصفة.
فقوله:"أ فرأيت الذي كفر بآياتنا"مسوق للتعجيب ، وكلمة"أ فرأيت"كلمة تعجيب وقد فرعه بفاء التفريع على ما تقدمه من قولهم:"أي الفريقين خير مقاما وأحسن نديا"لأن كفر هذا القائل وقوله:"لأوتين مالا وولدا"من سنخ كفرهم ومبني على قولهم للمؤمنين لا خير عند هؤلاء وسعادة الحياة وعزة الدنيا ونعمتها ولا خير إلا ذلك عند الكفار وفي ملتهم.
ومن هنا يظهر أن لقوله:"و قال لأوتين مالا وولدا"نوع ترتب على قوله"كفر بآياتنا"وأنه إنما كفر بآيات الله زاعما أن ذلك طريقة ميمونة مباركة تجلب لسالكها العزة والقدرة وترزقه الخير والسعادة في الدنيا وقد أقسم بذلك كما يشهد به لام القسم ونون التأكيد في قوله:"لأوتين".
قوله تعالى:"أطلع الغيب أم اتخذ عند الرحمن عهدا"رد سبحانه عليه قوله:"لأوتين مالا وولدا بكفري"بأنه رجم بالغيب لا طريق له إلى العلم فليس بمطلع على الغيب حتى يعلم بأنه سيؤتى بكفره ما يأمله ولا بمتخذ عهدا عند الله حتى يطمئن إليه في ذلك ، وقد جيء بالنفي في صورة الاستفهام الإنكاري.
قوله تعالى:"كلا سنكتب ما يقول ونمد له من العذاب مدا"كلا كلمة ردع وزجر وذيل الآية دليل على أنه سبحانه يرد بها ما يتضمنه قول هذا القائل من ترتب إيتاء المال والولد على الكفر بآيات الله ومحصله أن الذي يترتب على قوله هذا ليس هو إيتاء المال والولد فإن لذلك أسبابا أخر بل هو مد العذاب على كفره ورجمه فهو يطلب بما يقول في الحقيقة عذابا ممدودا يتلو بعضه بعضا لأنه هو تبعة قوله لا إيتاء المال والولد وسنكتب قوله ونرتب عليه أثره الذي هو مد العذاب فالآية نظيرة قوله:"فليدع ناديه سندع الزبانية": العلق: 18.
ومن هنا يظهر أن الأقرب أن يكون المراد من كتابة قوله تثبيته ليترتب عليه أثره لا كتابته في صحيفة عمله ليحاسب عليه يوم القيامة كما فسره به أرباب التفسير ، على أن قوله الآتي:"و نرثه ما يقول"لا يخلو على قولهم من شائبة التكرار من غير نكتة ظاهرة.