و في الدر المنثور ، أخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال: لما نزلت:"أتى أمر الله"ذعر أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) حتى نزل"فلا تستعجلوه"فسكنوا.
وفيه ، أخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن جريج قال: لما نزلت هذه الآية:"أتى أمر الله فلا تستعجلوه"قال رجال من المنافقين بعضهم لبعض: إن هذا يزعم أن أمر الله قد أتى فأمسكوا عن بعض ما كنتم تعملون حتى تنظروا ما هو كائن فلما رأوا أنه لا ينزل شيء قالوا: ما نراه نزل. فنزلت:"اقترب للناس حسابهم"الآية فقالوا: إن هذا يزعم مثلها أيضا فلما رأوا أنه لا ينزل شيء قالوا: ما نراه نزل شيء فنزل:"و لئن أخرنا عنهم العذاب إلى أمة معدودة"الآية.
أقول: والرواية تدل على أن المسلمين كان بينهم قبل الهجرة منافقون كما يشهد به بعض آخر من الروايات.
وفيه ، أخرج ابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه والحاكم وصححه عن عقبة بن عامر قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) : تطلع عليكم قبل الساعة سحابة سوداء من قبل المغرب مثل الترس فلا تزال ترتفع في السماء حتى تملأ السماء ثم ينادي مناد: يا أيها الناس! فيقبل الناس بعضهم على بعض: هل سمعتم؟ فمنهم من يقول: نعم ومنهم من يشك ثم ينادي الثانية: يا أيها الناس فيقول الناس: هل سمعتم؟ فيقولون: نعم ثم ينادي: أيها الناس أتى أمر الله فلا تستعجلوه.
قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) : فوالذي نفسي بيده إن الرجلين لينشران الثوب فما يطويانه وإن الرجل ليملأ حوضه فما يسقي فيه شيئا ، وإن الرجل ليحلب ناقته فما يشربه ويشغل الناس.
أقول: وقد رام بعضهم أن يستفيد من هذه الروايات الثلاث - وفي معناها بعض روايات أخر - أن المراد بالأمر هو يوم القيامة ولا دلالة فيها على ذلك.
أما الرواية الأولى فلا يدل ذعرهم أنهم فهموا منها ذلك فإن أمر الله أيا ما كان مما يهيب عباده على أنه لا حجة في فهمهم وليس الشبهة مفهومية حتى يرجع إليهم بما هم أهل اللسان.
على أن الرواية لا تخلو عن شيء فإن الله سبحانه يعد الاستعجال بالقيامة من صفات الكفار ويذمهم عليه ويبرىء المؤمنين منه قال:"و الذين آمنوا مشفقون منها": الشورى: 18 وقد مرت الإشارة إليه في البيان المتقدم هذا إذا كان الخطاب في قوله:"فلا تستعجلوه"للمؤمنين ، وأما إذا كان المخاطب به المشركين وهم كانوا يستعجلونه ، فمعنى النهي عن استعجالهم هو حلول الأجل وقرب الوقوع لا الإمهال والإنظار ، ولا معنى حينئذ لسكونهم لما سمعوا قوله:"فلا تستعجلوه".
وأما الرواية الثانية فظاهرها أنهم فهموا منها العذاب الدنيوي دون الساعة فهي تؤيد ما قدمناه في البيان لا ما ذكروه.
وأما الرواية الثالثة فأقصى ما تدل عليه أن قيام الساعة من مصاديق إتيان أمر الله ولا ريب في ذلك وهو غير كون المراد بالأمر في الآية هو الساعة.
وفي كتاب الغيبة ، للنعماني بإسناده عن عبد الرحمن بن كثير عن أبي عبد الله (عليه السلام) : في قوله عز وجل:"أتى أمر الله فلا تستعجلوه"قال: هو أمرنا أمر الله عز وجل فلا يستعجل به يؤيده بثلاثة أجناد: الملائكة والمؤمنون والركب ، وخروجه كخروج رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ، وذلك قوله:"كما أخرجك ربك من بيتك بالحق". أقول: ورواه المفيد في كتاب الغيبة ، عن عبد الرحمن عنه (عليه السلام) ، ومراده ظهور المهدي (عليه السلام) كما صرح به في روايات أخر وهو من جري القرآن أو بطنه.
وفي الكافي ، بإسناده عن سعد الإسكاف قال: أتى رجل أمير المؤمنين (عليه السلام) يسأله عن الروح أ ليس هو جبرئيل؟ فقال له أمير المؤمنين (عليه السلام) : جبرئيل من الملائكة والروح غير جبرئيل ، فكبر ذلك على الرجل فقال له: لقد قلت عظيما من القول ما أحد يزعم أن الروح غير جبرئيل. فقال له أمير المؤمنين (عليه السلام) : إنك ضال تروي عن أهل الضلال ، يقول الله لنبيه:"أتى أمر الله فلا تستعجلوه - سبحانه وتعالى عما يشركون ينزل الملائكة بالروح"والروح غير الملائكة.
أقول: وهو يؤيد ما قدمناه ، وفي روايات أخر: أنه خلق أعظم من جبرئيل.
وفي تفسير القمي ،: في قوله تعالى:"فإذا هو خصيم مبين"قال (عليه السلام) : خلقه من قطرة من ماء مهين فيكون خصيما متكلما بليغا.