بيان ذلك أن هذه النعم لو سئل عن شيء منها فليست يسأل عنها بما أنها لحم أو خبز أو تمر أو ماء بارد أو أنها سمع أو بصر أو يد أو رجل مثلا وإنما يسأل عنها بما أنها نعمة خلقها الله للإنسان وأوقعها في طريق كماله والحصول على التقرب العبودي كما تقدمت الإشارة إليه وندبه إلى أن يستعملها شكرا لا كفرا.
فالمسئول عنها هي النعمة بما أنها نعمة ، ومن المعلوم أن الدال على نعيمية النعيم وكيفية استعماله شكرا والمبين لذلك كله هو الدين الذي جاء به النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ونصب لبيانه الأئمة من أهل بيته فالسؤال عن النعيم مرجعه السؤال عن العمل بالدين في كل حركة وسكون ومن المعلوم أيضا أن السؤال عن النعيم الذي هو الدين سؤال عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) والأئمة من بعده الذين افترض الله طاعتهم وأوجب اتباعهم في السلوك إلى الله الذي طريقه استعمال النعم كما بينه الرسول والأئمة.
وإلى كون السؤال عن النعيم سؤالا عن الدين يشير ما في رواية أبي خالد من قوله:"إنما يسألكم عما أنتم عليه من الحق".
وإلى كونه سؤالا عن النعيم الذي هو النبي وأهل بيته يشير ما في روايتي جميل وأبي حمزة السابقتين من قوله:"يسأل هذه الأمة عما أنعم الله عليها برسوله ثم بأهل بيته"أو ما في معناه ، وفي بعض الروايات:"النعيم هو رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أنعم الله به على أهل العالم فاستنقذهم من الضلالة"، وفي بعضها: أن النعيم ولايتنا أهل البيت ، والمال واحد ومن ولاية أهل البيت افتراض طاعتهم واتباعهم فيما يسلكونه من طريق العبودية.
وفي المجمع ، وقيل: النعيم الصحة والفراغ: عن عكرمة ، ويعضده ما رواه ابن عباس عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ.
وفيه ، وقيل: هو يعني النعيم الأمن والصحة: عن عبد الله بن مسعود ومجاهد ، وروي ذلك عن أبي جعفر وأبي عبد الله (عليه السلام) .
أقول: وفي روايات أخرى من طرق أهل السنة أن النعيم هو التمر والماء البارد وفي بعضها غيرهما ، وينبغي أن يحمل الجميع على إيراد المثال.
وفي الحديث النبوي من طرقهم أيضا: ، ثلاث لا يسأل عنها العبد: خرقة يواري بها عورته أو كسرة يسد بها جوعته أو بيت يكنه من الحر والبرد. الحديث ، وينبغي أن يحمل على خفة الحساب في الضروريات ونفي المناقشة فيه والله أعلم.