و إذا كان القوم يدعون أمورا من الكرامات ، ويتكلمون بأمور تناقض ظواهر الدين وحكم العقل مدعين أن لها معاني صحيحة لا ينالها فهم أهل الظاهر ثقل على الفقهاء وعامة المسلمين سماعها فأنكروا ذلك عليهم وقابلوهم بالتبري والتكفير ، فربما أخذوا بالحبس أو الجلد أو القتل أو الصلب أو الطرد أو النفي كل ذلك لخلاعتهم واسترسالهم في أقوال يسمونها أسرار الشريعة ، ولو كان الأمر على ما يدعون وكانت هي لب الحقيقة وكانت الظواهر الدينية كالقشر عليها وكان ينبغي إظهارها والجهر بها لكان مشرع الشرع أحق برعاية حالها وإعلان أمرها كما يعلنون ، وإن لم تكن هي الحق فما ذا بعد الحق إلا الضلال؟.
والقوم لم يدلوا في أول أمرهم على آرائهم في الطريقة إلا باللفظ ثم زادوا على ذلك بعد أن أخذوا موضعهم من القلوب قليلا بإنشاء كتب ورسائل بعد القرن الثالث الهجري ، ثم زادوا على ذلك بأن صرحوا بآرائهم في الحقيقة والطريقة جميعا بعد ذلك فانتشر منهم ما أنشئوه نظما ونثرا في أقطار الأرض.
ولم يزالوا يزيدون عدة وعدة ووقوعا في قلوب العامة ووجاهة حتى بلغوا غاية أوجهم في القرنين السادس والسابع ثم انتكسوا في المسير وضعف أمرهم وأعرض عامة الناس عنهم.
وكان السبب في انحطاطهم أولا أن شأنا من الشئون الحيوية التي لها مساس بحال عامة الناس إذا اشتد إقبال النفوس عليه وتولع القلوب إليه تاقت إلى الاستدرار من طريقه نفوس وجمع من أرباب المطامع فتزيوا بزيه وظهروا في صورة أهله وخاصته فأفسدوا فيه وتعقب ذلك تنفر الناس عنه.
وثانيا: أن جماعة من مشايخهم ذكروا أن طريقة معرفة النفس طريقة مبتدعة لم يذكرها مشرع الشريعة فيما شرعه إلا أنها طريقة مرضية ارتضاها الله سبحانه كما ارتضى الرهبانية المبتدعة بين النصارى قال تعالى:"و رهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم إلا ابتغاء رضوان الله فما رعوها حق رعايتها": الحديد: 27.
وتلقاه الجمهور منهم بالقبول فأباح ذلك لهم أن يحدثوا للسلوك رسوما وآدابا لم تعهد في الشريعة ، فلم تزل تبتدع سنة جديدة وتترك أخرى شرعية ، حتى آل إلى أن صارت الشريعة في جانب ، والطريقة في جانب ، وآل بالطبع إلى انهماك المحرمات وترك الواجبات من شعائر الدين ورفع التكاليف ، وظهور أمثال القلندرية ولم يبق من التصوف إلا التكدي واستعمال الأفيون والبنج وهو الفناء.
والذي يقضي به في ذلك الكتاب والسنة - وهما يهديان إلى حكم العقل - هو أن القول بأن تحت ظواهر الشريعة حقائق هي باطنها حق ، والقول بأن للإنسان طريقا إلى نيلها حق ، ولكن الطريق إنما هو استعمال الظواهر الدينية على ما ينبغي من الاستعمال لا غير ، وحاشا أن يكون هناك باطن لا يهدي إليه ظاهر ، والظاهر عنوان الباطن وطريقه ، وحاشا أن يكون هناك شيء آخر أقرب مما دل عليه شارع الدين غفل عنه أو تساهل في أمره أو أضرب عنه لوجه من الوجوه بالمرة وهو القائل عز من قائل:"و نزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء": النحل: 89 وبالجملة فهذه طرق ثلاثة في البحث عن الحقائق والكشف عنها: الظواهر الدينية وطريق البحث العقلي وطريق تصفية النفس ، أخذ بكل منها طائفة من المسلمين على ما بين الطوائف الثلاث من التنازع والتدافع ، وجمعهم في ذلك كزوايا المثلث كلما زدت في مقدار واحدة منها نقصت من الأخريين وبالعكس.
وكان الكلام في التفسير يختلف اختلافا فاحشا بحسب اختلاف مشرب المفسرين بمعنى أن النظر العلمي في غالب الأمر كان يحمل على القرآن من غير عكس إلا ما شذ.
وقد عرفت أن الكتاب يصدق من كل من الطرق ما هو حق ، وحاشا أن يكون هناك باطن حق ولا يوافقه ظاهره ، وحاشا أن يكون هناك حق من ظاهر أو باطن والبرهان الحق يدفعه ويناقضه.
ولذلك رام جمع من العلماء بما عندهم من بضاعة العلم على اختلاف مشاربهم أن يوفقوا بين الظواهر الدينية والعرفان كابن العربي وعبد الرزاق الكاشاني وابن فهد والشهيد الثاني والفيض الكاشاني.
وآخرون أن يوفقوا بين الفلسفة والعرفان كأبي نصر الفارابي والشيخ السهروردي صاحب الإشراق والشيخ صائن الدين محمد تركه.
وآخرون أن يوفقوا بين الظواهر الدينية والفلسفة كالقاضي سعيد وغيره.