فهرس الكتاب

الصفحة 1053 من 4314

و من أشد ما كان يغيظهم ما كانوا يسمعونه منهم من القول في المسائل المبتنية على أصول موضوعة مأخوذة من الهيئة والطبيعيات كوضع الأفلاك البطليموسية ، وكونها طبيعة خامسة ، واستحالة الخرق والالتيام فيها ، وقدم الأفلاك والفلكيات بالشخص وقدم العناصر بالنوع ، وقدم الأنواع ونحو ذلك فإنها مسائل مبنية على أصول موضوعة لم يبرهن عليها في الفلسفة لكن الجهلة من المتفلسفين كانوا يظهرونها في زي المسائل المبرهن عليها ، وكانت الدهرية وأمثالهم وهم يومئذ منتحلون إليها يضيفون إلى ذلك أمورا أخرى من أباطيلهم كالقول بالتناسخ ونفي المعاد ولا سيما المعاد الجسماني ، ويطعنون بذلك كله في ظواهر الدين وربما قال القائل منهم: إن الدين مجموع وظائف تقليدية أتى بها الأنبياء لتربية العقول الساذجة البسيطة وتكميلها ، وأما الفيلسوف المتعاطي للعلوم الحقيقية فهو في غنى عنهم وعما أتوا به ، وكانوا ذوي أقدام في طرق الاستدلال.

فدعا ذلك الفقهاء والمتكلمين وحملهم على تجبيههم بالإنكار والتدمير عليهم بأي وسيلة تيسرت لهم من محاجة ودعوة عليهم وبراءة منهم وتكفير لهم حتى كسروا سورتهم وفرقوا جمعهم وأفنوا كتبهم في زمن المتوكل ، وكادت الفلسفة تنقرض بعده حتى جدده ثانيا المعلم الثاني أبو نصر الفارابي المتوفى سنة 393 ثم بعده الشيخ الرئيس أبو علي الحسين بن عبد الله بن سينا المتوفى سنة 482 ثم غيرهما من معاريف الفلسفة كأبي علي بن مسكويه وابن رشد الأندلسي وغيرهما ، ثم لم تزل الفلسفة تعيش على قلة من متعاطيها وتجول بين ضعف وقوة.

وهي وإن انتقلت ابتداء إلى العرب لكن لم يشتهر بها منهم إلا الشاذ النادر كالكندي وابن رشد ، وقد استقرت أخيرا في إيران ، والمتكلمون من المسلمين وإن خالفوا الفلسفة وأنكروا على أهلها أشد الإنكار لكن جمهورهم تلقوا المنطق بالقبول فألفوا فيها الرسائل والكتب لما وجدوه موافقا لطريق الاستدلال الفطري.

غير أنهم - كما سمعت - أخطئوا في استعماله فجعلوا حكم الحدود الحقيقية وأجزائها مطردا في المفاهيم الاعتبارية ، واستعملوا البرهان في القضايا الاعتبارية التي لا مجرى فيها إلا للقياس الجدلي فتراهم يتكلمون في الموضوعات الكلامية كالحسن والقبح والثواب والعقاب والحبط والفضل في أجناسها وفصولها وحدودها ، وأين هي من الحد؟ ويستدلون في المسائل الأصولية والمسائل الكلامية من فروع الدين بالضرورة والامتناع.

وذلك من استخدام الحقائق في الأمور الاعتبارية ويبرهنون في أمور ترجع إلى الواجب تعالى بأنه يجب عليه كذا ويقبح منه كذا فيحكمون الاعتبارات على الحقائق ، ويعدونه برهانا ، وليس بحسب الحقيقة إلا من القياس الشعري.

وبلغ الإفراط في هذا الباب إلى حد قال قائلهم: إن الله سبحانه أنزه ساحة من أن يدب في حكمه وفعله الاعتبار الذي حقيقته الوهم فكل ما كونه تكوينا أو شرعه تشريعا أمور حقيقية واقعية ، وقال آخر: إن الله سبحانه أقدر من أن يحكم بحكم ثم لا يستطاع من إقامة البرهان عليه ، فالبرهان يشمل التكوينيات والتشريعيات جميعا.

إلى غير ذلك من الأقاويل التي هي لعمري من مصائب العلم وأهله ، ثم الاضطرار إلى وضعها والبحث عنها في المسفورات العلمية أشد مصيبة.

وفي هذه البرهة ظهر التصوف بين المسلمين ، وقد كان له أصل في عهد الخلفاء يظهر في لباس الزهد ، ثم بان الأمر بتظاهر المتصوفة في أوائل عهد بني العباس بظهور رجال منهم كأبي يزيد والجنيد والشبلي ومعروف وغيرهم.

يرى القوم أن السبيل إلى حقيقة الكمال الإنساني والحصول على حقائق المعارف هو الورود في الطريقة ، وهي نحو ارتياض بالشريعة للحصول على الحقيقة ، وينتسب المعظم منهم من الخاصة والعامة إلى علي (عليه السلام) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت