فهرس الكتاب

الصفحة 1052 من 4314

و في تلك الأيام راج البحث الكلامي ، وكتب فيه الكتب والرسائل ، ولم يلبثوا أن تفرقوا فرقتين عظيمتين وهما الأشاعرة والمعتزلة ، وكانت أصول أقوالهم موجودة في زمن الخلفاء بل في زمن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) يدل على ذلك ما روي من احتجاجات علي (عليه السلام) في الجبر والتفويض والقدر والاستطاعة وغيرها ، وما روي عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في ذلك وإنما امتازت الطائفتان في هذا الأوان بامتياز المسلكين وهو تحكيم المعتزلة ما يستقل به العقل على الظواهر الدينية كالقول بالحسن والقبح العقليين ، وقبح الترجيح من غير مرجح ، وقبح التكليف بما لا يطاق ، والاستطاعة ، والتفويض ، وغير ذلك ، وتحكيم الأشاعرة الظواهر على حكم العقل بالقول بنفي الحسن والقبح ، وجواز الترجيح من غير مرجح ، ونفي الاستطاعة ، والقول بالجبر ، وقدم كلام الله ، وغير ذلك مما هو مذكور في كتبهم.

ثم رتبوا الفن واصطلحوا الاصطلاحات وزادوا مسائل قابلوا بها الفلاسفة في المباحث المعنوية بالأمور العامة ، وذلك بعد نقل كتب الفلسفة إلى العربية وانتشار دراستها بين المسلمين ، وليس الأمر على ما ذكره بعضهم: أن التكلم ظهر أو انشعب في الإسلام إلى الاعتزال والأشعرية بعد انتقال الفلسفة إلى العرب ، يدل على ذلك وجود معظم مسائلهم وآرائهم في الروايات قبل ذلك.

ولم تزل المعتزلة تتكثر جماعتهم وتزداد شوكتهم وأبهتهم منذ أول الظهور إلى أوائل العهد العباسي أوائل القرن الثالث الهجري ثم رجعوا يسلكون سبيل الانحطاط والسقوط حتى أبادتهم الملوك من بني أيوب فانقرضوا وقد قتل في عهدهم وبعدهم لجرم الاعتزال من الناس ما لا يحصيه إلا الله سبحانه وعند ذلك صفا جو البحث الكلامي للأشاعرة من غير معارض فتوغلوا فيه بعد ما كان فقهاؤهم يتأثمون بذلك أولا ، ولم يزل الأشعرية رائجة عندهم إلى اليوم.

وكان للشيعة قدم في التكلم ، كان أول طلوعهم بالتكلم بعد رحلة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وكان جلهم من الصحابة كسلمان وأبي ذر والمقداد وعمار وعمرو بن الحمق وغيرهم ومن التابعين كرشيد وكميل وميثم وسائر العلويين أبادتهم أيدي الأمويين ، ثم تأصلوا وقوي أمرهم ثانيا في زمن الإمامين: الباقر والصادق (عليهما السلام) وأخذوا بالبحث وتأليف الكتب والرسائل ، ولم يزالوا يجدون الجد تحت قهر الحكومات واضطهادها حتى رزقوا بعض الأمن في الدولة البويهية ثم أخنقوا ثانيا حتى صفا لهم الأمر بظهور الدولة الصفوية في إيران ، ثم لم يزالوا على ذلك حتى اليوم.

وكانت سيماء بحثهم في الكلام أشبه بالمعتزلة منها بالأشاعرة ، ولذلك ربما اختلط بعض الآراء كالقول بالحسن والقبح ومسألة الترجيح من غير مرجح ومسألة القدر ومسألة التفويض ، ولذلك أيضا اشتبه الأمر على بعض الناس فعد الطائفتين أعني الشيعة والمعتزلة ذواتي طريقة واحدة في البحث الكلامي ، كفرسي رهان ، وقد أخطأ ، فإن الأصول المروية عن أئمة أهل البيت (عليهم السلام) وهي المعتبرة عند القوم لا تلائم مذاق المعتزلة في شيء.

وعلى الجملة فن الكلام فن شريف يذب عن المعارف الحقة الدينية غير أن المتكلمين من المسلمين أساءوا في طريق البحث فلم يميزوا بين الأحكام العقلية واختلط عندهم الحق بالمقبول على ما سيجيء إيضاحه بعض الإيضاح.

وفي هذه البرهة من الزمن نقلت علوم الأوائل من المنطق والرياضيات والطبيعيات والإلهيات والطب والحكمة العملية إلى العربية ، نقل شطر منها في عهد الأمويين ثم أكمل في أوائل عهد العباسيين ، فقد ترجموا مئات من الكتب من اليونانية والرومية والهندية والفارسية والسريانية إلى العربية ، وأقبل الناس يتدارسون مختلف العلوم ولم يلبثوا كثيرا حتى استقلوا بالنظر ، وصنفوا فيها كتبا ورسائل ، وكان ذلك يغيظ علماء الوقت ، ولا سيما ما كانوا يشاهدونه من تظاهر الملاحدة من الدهرية والطبيعية والمانوية وغيرهم على المسائل المسلمة في الدين ، وما كان عليه المتفلسفون من المسلمين من الوقيعة في الدين وأهله ، وتلقي أصول الإسلام ومعالم الشرع الطاهرة بالإهانة والإزراء ولا داء كالجهل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت