فهرس الكتاب

الصفحة 1051 من 4314

و لعل المتراءى من أمر الأمة لغيرهم من الباحثين كما ذكره بعضهم:"أن أهل السنة أخذوا بالكتاب وتركوا العترة ، فآل ذلك إلى ترك الكتاب لقول النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) :"إنهما لن يفترقا"وأن الشيعة أخذوا بالعترة وتركوا الكتاب ، فآل ذلك منهم إلى ترك العترة لقوله (صلى الله عليه وآله وسلم) :"إنهما لن يفترقا"فقد تركت الأمة القرآن والعترة الكتاب والسنة معا".

وهذه الطريقة المسلوكة في الحديث أحد العوامل التي عملت في انقطاع رابطة العلوم الإسلامية وهي العلوم الدينية والأدبية عن القرآن مع أن الجميع كالفروع والثمرات من هذه الشجرة الطيبة التي أصلها ثابت وفرعها في السماء تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها ، وذلك أنك إن تبصرت في أمر هذه العلوم وجدت أنها نظمت تنظيما لا حاجة لها إلى القرآن أصلا حتى أنه يمكن لمتعلم أن يتعلمها جميعا: الصرف والنحو والبيان واللغة والحديث والرجال والدراية والفقه والأصول فيأتي آخرها ، ثم يتضلع بها ثم يجتهد ويتمهر فيها وهو لم يقرأ القرآن ، ولم يمس مصحفا قط ، فلم يبق للقرآن بحسب الحقيقة إلا التلاوة لكسب الثواب أو اتخاذه تميمة للأولاد تحفظهم عن طوراق الحدثان! فاعتبر إن كنت من أهله.

ولنرجع إلى ما كنا فيه: كان حال البحث عن القرآن والحديث في عهد عمر ما سمعته ، وقد اتسع نطاق المباحث الكلامية في هذا العهد لما أن الفتوحات الوسيعة أفضت بالطبع إلى اختلاط المسلمين بغيرهم من الأمم وأرباب الملل والنحل وفيهم العلماء والأحبار والأساقفة والبطارقة الباحثون في الأديان والمذاهب فارتفع منار الكلام لكن لم يدون بعد تدوينا ، فإن ما عد من التآليف فيه إنما ذكر في ترجمات من هو بعد هذا العصر.

ثم كان الأمر على ذلك في عهد عثمان على ما فيه من انقلاب الناس على الخلافة ، وإنما وفق لجمع المصاحف ، والاتفاق على مصحف واحد.

ثم كان الأمر على ذلك في خلافة علي (عليه السلام) وشغله إصلاح ما فسد من مجتمع المسلمين بالاختلافات الداخلية ووقع حروب متوالية في إثر ذلك.

غير أنه (عليه السلام) وضع علم النحو وأملأ كلياته أبا الأسود الدئلي من أصحابه وأمره بجمع جزئيات قواعده ، ولم يتأت له وراء ذلك إلا أن ألقى بيانات من خطب وأحاديث فيها جوامع مواد المعارف الدينية وأنفس الأسرار القرآنية ، وله مع ذلك احتجاجات كلامية مضبوطة في جوامع الحديث.

ثم كان الأمر على ذلك في خصوص القرآن والحديث في عهد معاوية ومن بعده من الأمويين والعباسيين إلى أوائل القرن الرابع من الهجرة تقريبا وهو آخر عهد الأئمة الاثني عشر عند الشيعة ، فلم يحدث في طريق البحث عن القرآن والحديث أمر مهم غير ما كان في عهد معاوية من بذل الجهد في إماتة ذكر أهل البيت (عليهم السلام) وإعفاء أثرهم ووضع الأحاديث ، وقد انقلبت الحكومة الدينية إلى سلطنة استبدادية ، وتغيرت السنة الإسلامية إلى سيطرة إمبراطورية ، وما كان في عهد عمر بن عبد العزيز من أمره بكتابة الحديث ، وقد كان المحدثون يتعاطون الحديث إلى هذه الغاية بالأخذ والحفظ من غير تقييد بالكتابة.

وفي هذه البرهة راج الأدب العربي غاية رواجه ، شرع ذلك من زمن معاوية فقد كان يبالغ في ترويج الشعر ثم الذين يلونه من الأمويين ثم العباسيين ، وكان ربما يبذل بإزاء بيت من الشعر أو نكتة أدبية المئات والألوف من الدنانير ، وانكب الناس على الشعر وروايته ، وأخبار العرب وأيامهم ، وكانوا يكتسبون بذلك الأموال الخطيرة ، وكانت الأمويون ينتفعون برواجه وبذل الأموال بحذائه لتحكيم موقعهم تجاه بني هاشم ثم العباسيون تجاه بني فاطمة كما كانوا يبالغون في إكرام العلماء ليظهروا بهم على الناس ، ويحملوهم ما شاءوا وتحكموا.

وبلغ من نفوذ الشعر والأدب في المجتمع العلمي أنك ترى كثيرا من العلماء يتمثلون بشعر شاعر أو مثل سائر في مسائل عقلية أو أبحاث علمية ثم يكون له القضاء ، وكثيرا ما يبنون المقاصد النظرية على مسائل لغوية ولا أقل من البحث اللغوي في اسم الموضوع أولا ثم الورود في البحث ثانيا ، وهذه كلها أمور لها آثار عميقة في منطق الباحثين وسيرهم العلمي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت