فهرس الكتاب

الصفحة 1050 من 4314

و اقتسم القرآن والحديث عند ذلك التقدم والعمل: فالتقدم الصوري للقرآن والأخذ والعمل بالحديث فلم يلبث القرآن دون أن هجر عملا ، ولم تزل تجري هذه السيرة وهي الصفح عن عرض الحديث على القرآن مستمرة بين الأمة عملا حتى اليوم وإن كانت تنكرها قولا وقال الرسول يا رب إن قومي اتخذوا هذا القرآن مهجورا"اللهم إلا آحاد بعد آحاد."

وهذا التساهل بعينه هو أحد الأسباب في بقاء كثير من الخرافات القومية القديمة بين الأمم الإسلامية بعد دخولهم في الإسلام والداء يجر الداء.

3 -إن ما جرى في أمر الخلافة بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أوجب اختلاف آراء عامة المسلمين في أهل بيته فمن عاكف عليهم هائم بهم ، ومن معرض عنهم لا يعبأ بأمرهم ومكانتهم من علم القرآن أو مبغض شانىء لهم ، وقد وصاهم النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بما لا يرتاب في صحته ودلالته مسلم أن يتعلموا منهم ولا يعلموهم وهم أعلم منهم بكتاب الله ، وذكر لهم أنهم لن يغلطوا في تفسيره ولن يخطئوا في فهمه قال في حديث الثقلين المتواتر: إني تارك فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي ولن يفترقا حتى يردا علي الحوض الحديث.

وفي بعض طرقه: لا تعلموهم فإنهم أعلم منكم. وقال في المستفيض من كلامه:"من فسر القرآن برأيه فليتبوأ مقعده من النار"وقد تقدم في أبحاث المحكم والمتشابه في الجزء الثالث من الكتاب.

وهذا أعظم ثلمة انثلم بها علم القرآن وطريق التفكر الذي يندب إليه.

ومن الشاهد على هذا الإعراض قلة الأحاديث المنقولة عنهم (عليهم السلام) فإنك إذا تأملت ما عليه علم الحديث في عهد الخلفاء من المكانة والكرامة ، وما كان عليه الناس من الولع والحرص الشديد على أخذه ثم أحصيت ما نقل في ذلك عن علي والحسن والحسين ، وخاصة ما نقل من ذلك في تفسير القرآن لرأيت عجبا: أما الصحابة فلم ينقلوا عن علي (عليه السلام) شيئا يذكر ، وأما التابعون فلا يبلغ ما نقلوا عنه - إن أحصي - مائة رواية في تمام القرآن وأما الحسن (عليه السلام) فلعل المنقول عنه لا يبلغ عشرا ، وأما الحسين فلم ينقل عنه شيء يذكر ، وقد أنهى بعضهم الروايات الواردة في التفسير إلى سبعة عشر ألف حديث من طريق الجمهور وحده ، وهذه النسبة موجودة في روايات الفقه أيضا.

فهل هذا لأنهم هجروا أهل البيت وأعرضوا عن حديثهم؟ أو لأنهم أخذوا عنهم وأكثروا ثم أخفيت ونسيت في الدولة الأموية لانحراف الأمويين عنهم؟ ما أدري.

غير أن عزلة علي وعدم اشتراكه في جمع القرآن أولا وأخيرا وتاريخ حياة الحسن والحسين (عليهما السلام) يؤيد أول الاحتمالين.

وقد آل أمر حديثه إلى أن أنكر بعض كون ما اشتمل عليه كتاب نهج البلاغة من غرر خطبه من كلامه ، وأما أمثال الخطبة البتراء لزياد بن أبيه وخمريات يزيد فلا يكاد يختلف فيها اثنان!.

ولم يزل أهل البيت مضطهدين ، مهجورا حديثهم إلى أن انتهض الإمامان: محمد بن علي الباقر وجعفر بن محمد الصادق (عليه السلام) في برهة كالهدنة بين الدولة الأموية والدولة العباسية فبينا ما ضاعت من أحاديث آبائهم ، وجددا ما اندرست وعفيت من آثارهم.

غير أن حديثهما وغيرهما من آبائهما وأبنائهما من أئمة أهل البيت أيضا لم يسلم من الدخيل ولم يخلص من الدس والوضع كحديث رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ، وقد ذكرا ذلك في الصريح من كلامهما ، وعدا رجالا من الوضاعين كمغيرة بن سعيد وابن أبي الخطاب وغيرهما ، وأنكر بعض الأئمة روايات كثيرة مروية عنهم وعن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ، وأمروا أصحابهم وشيعتهم بعرض الأحاديث المنقولة عنهم على القرآن وأخذ ما وافقه وترك ما خالفه.

ولكن القوم إلا آحاد منهم لم يجروا عليها عملا في أحاديث أهل البيت (عليهم السلام) وخاصة في غير الفقه ، وكان السبيل الذي سلكوه في ذلك هو السبيل الذي سلكه الجمهور في أحاديث النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) .

وقد أفرط في الأمر إلى حيث ذهب جمع إلى عدم حجية ظواهر الكتاب وحجية مثل مصباح الشريعة وفقه الرضا وجامع الأخبار! وبلغ الإفراط إلى حيث ذكر بعضهم أن الحديث يفسر القرآن مع مخالفته لصريح دلالته ، وهذا يوازن ما ذكره بعض الجمهور: أن الخبر ينسخ الكتاب.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت