كان القوم في عهد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ونعني به أيام إقامته بالمدينة حديثي عهد بالتعليم الإسلامي ، حالهم أشبه بحال الإنسان القديم في تدوين العلوم والصناعات ، يشتغلون بالأبحاث العلمية اشتغالا ساذجا غير فني على عناية منهم بالتحصيل والتحرير ، وقد اهتموا أولا بحفظ القرآن وقراءته ، وحفظ الحديث عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) من غير كتابة ، ونقله ، وكان لهم بعض المطارحات الكلامية فيما بينهم أنفسهم ، واحتجاجات مع بعض أرباب الملل الأجنبية ولا سيما اليهود والنصارى لوجود أجيال منهم في الجزيرة والحبشة والشام ، ومن هنا يبتدىء ظهور علم الكلام وكانوا ، يشتغلون برواية الشعر وقد كانت سنة عربية لم يهتم بأمرها الإسلام ولم يمدح الكتاب الشعر والشعراء بكلمة ، ولا السنة بالغت في أمره.
ثم لما ارتحل النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) كان من أمر الخلافة ما هو معروف وزاد الاختلاف الحادث عند ذلك بابا على الأبواب الموجودة.
وجمع القرآن في زمن الخليفة الأول بعد غزوة يمامة وشهادة جماعة من القراء فيها.
وكان الأمر على هذا في عهد خلافته - وهي سنتان تقريبا - ثم في عهد الخليفة الثاني.
والإسلام وإن انتشر صيته واتسع نطاقه بما رزق المسلمون من الفتوحات العظيمة في عهده لكن الاشتغال بها كان يعوقهم عن التعمق في إجالة النظر في روابط العلوم والتماس الارتقاء في مدارجها ، أو إنهم ما كانوا يرون لما عندهم من المستوى العلمي حاجة إلى التوسع والتبسط.
وليس العلم وفضله أمرا محسوسا يعرفه أمة من أمة أخرى إلا أن يرتبط بالصنعة فيظهر أثره على الحس فيعرفه العامة.
وقد أيقظت هذه الفتوحات المتوالية الغزيرة العرب الجاهلية من الغرور والنخوة بعد ما كانت في سكن بالتربية النبوية ، فكانت تتسرب فيهم روح الأمم المستعلية الجبارة ، وتتمكن منهم رويدا ، يشهد به شيوع تقسيم الأمة المسلمة يومئذ إلى العرب والموالي ، وسير معاوية - وهو والي الشام يومذاك - بين المسلمين بسيرة ملوكية قيصرية ، وأمور أخرى كثيرة ذكرها التاريخ عن جيوش المسلمين ، وهذه نفسيات لها تأثير في السير العلمي ولا سيما التعليمات القرآنية.
وأما الذي كان عندهم من حاضر السير العلمي فالاشتغال بالقرآن كان على حاله وقد صار مصاحف متعددة تنسب إلى زيد وأبي وابن مسعود وغيرهم.
وأما الحديث فقد راج رواجا بينا وكثر النقل والضبط إلى حيث نهى عمر بعض الصحابة عن التحديث لكثرة ما روى ، وقد كان عدة من أهل الكتاب دخلوا في الإسلام وأخذ عنهم المحدثون شيئا كثيرا من أخبار كتبهم وقصص أنبيائهم وأممهم ، فخلطوها بما كان عندهم من الأحاديث المحفوظة عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ، وأخذ الوضع والدس يدوران في الأحاديث ، ويوجد اليوم في الأحاديث المقطوعة المنقولة عن الصحابة ورواتهم في الصدر الأول شيء كثير من ذلك يدفعه القرآن بظاهر لفظه.
وجملة السبب في ذلك أمور ثلاثة: 1 - المكانة الرفيعة التي كانت تعتقدها الناس لصحبة النبي وحفظ الحديث عنه ، وكرامة الصحابة وأصحابهم النقلة عنهم على الناس ، وتعظيمهم لأمرهم ، فدعا ذلك الناس إلى الأخذ والإكثار حتى عن مسلمي أهل الكتاب والرقابة الشديدة بين حملة الحديث في حيازة التقدم والفخر.
2 -إن الحرص الشديد منهم على حفظ الحديث ونقله منعهم عن تمحيصه والتدبر في معناه وخاصة في عرضه على كتاب الله وهو الأصل الذي تبتني عليه بنية الدين وتستمد منه فروعه ، وقد وصاهم بذلك النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فيما صح من قوله:"ستكثر علي القالة"الحديث ، وغيره.
وحصلت بذلك فرصة لأن تدور بينهم أحاديث موضوعة في صفات الله وأسمائه وأفعاله ، وزلات منسوبة إلى الأنبياء الكرام ، ومساوىء مشوهة تنسب إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وخرافات في الخلق والإيجاد ، وقصص الأمم الماضية ، وتحريف القرآن وغير ذلك مما لا تقصر عما تتضمنه التوراة والإنجيل من هذا القبيل.