فهرس الكتاب

الصفحة 2358 من 4314

قال تعالى:"و قالوا ء إذا ضللنا في الأرض ء إنا لفي خلق جديد بل هم بلقاء ربهم كافرون قل يتوفاكم ملك الموت الذي وكل بكم ثم إلى ربكم ترجعون": الم السجدة: 11 يقول إنكم بالموت لا تضلون في الأرض ولا تنعدمون بل الملك الموكل بالموت يأخذ الأمر الذي تدل عليه لفظة"كم"و"نا"وهي النفوس فتبقى في قبضته ولا تضل ثم إذا بعثتم ترجعون إلى الله بلحوق أبدانكم إلى نفوسكم وأنتم أنتم.

فللإنسان حياة باقية غير محدودة بما في هذه الدنيا الفانية وله عيشة في دار أخرى باقية ببقاء الله ولا يتمتع في حياته الثانية إلا بما يكتسبه في حياته الأولى من الإيمان بالله والأعمال الصالحة ويعده في يومه لغده من مواد السعادة فإن اتبع الحق وآمن بآيات الله سعد في أخراه بكرامة القرب والزلفى وملك لا يبلى ، وإن أخلد إلى الأرض وانكب على الدنيا وأعرض عن الذكرى بقي في دار الشقاء والبوار وغل بأغلال الخيبة والخسران في مهبط اللعن وحضيض البعد وكان من أصحاب النار.

وإذا عرفت هذا الذي قدمناه وتأملته تأملا كافيا بان لك أن قوله تعالى:"أولئك الذين كفروا بربهم"إلى آخر الآية ليس بمجرد تهديد بالعذاب لهؤلاء القائلين:"ء إذا كنا ترابا ء إنا لفي خلق جديد"على ما يتخيل في بادىء النظر بل جواب بلازم القول.

وتوضيح ذلك أن لازم قولهم: إن الإنسان إذا مات وصار ترابا بطلت الإنسانية وانعدمت الشخصية أن يكون الإنسان صورة مادية قائمة بهذا الهيكل البدني المادي العائش بحياة مادية من غير أن تكون له حياة أخرى خالدة بعد الموت يبقى فيها ببقاء الرب تعالى ويسعد بقربه ويفوز عنده وبعبارة أخرى تكون حياته محدود بهذه الحياة المادية غير أن تنبسط على ما بعد الموت وتدوم أبدا ، وهذا في الحقيقة إنكار للعالم الربوبي إذ لا معنى لرب لا معاد إليه.

ولازم ذلك أن يقصر الإنسان همه في المقاصد الدنيوية والغايات المادية من غير أن يرتقي فهمه إلى ما عند الله من النعيم المقيم والملك العظيم فيسعى لقربه تعالى ويعمل في يومه لغده كالمغلول الذي لا يستطيع حراكا ولا يقدر على السعي لواجب أمره.

ولازم ذلك أن يثبت الإنسان في شقاء لازم وعذاب دائم فإنه أفسد استعداد السعادة وقطع الطريق وهذه اللوازم الثلاث هي التي أشار تعالى إليه بقوله:"أولئك الذين كفروا"إلخ.

فقوله:"أولئك الذين كفروا بربهم"إشارة إلى اللازم الأول وهو إعراض منكري المعاد عن العالم الربوبي والحياة الباقية والستر على ما عند الله من النعيم المقيم والكفر به.

وقوله:"و أولئك الأغلال في أعناقهم"إشارة إلى اللازم الثاني وهو الإخلاد إلى الأرض والركون إلى الهوى والتقيد بقيود الجهل وأغلال الجحد والإنكار ، وقد مر في تفسير قوله تعالى:"إن الله لا يستحيي أن يضرب مثلا"الآية: البقرة: 26 في الجزء الأول من الكتاب كلام في كون هذه التعبيرات القرآنية حقائق أو مجازات فراجع إليه.

وقوله:"أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون"إشارة إلى اللازم الثالث وهو مكثهم في العذاب والشقاء.

قوله تعالى:"و يستعجلونك بالسيئة قبل الحسنة وقد خلت من قبلهم المثلات"إلى آخر الآية.

قال في المجمع ،: الاستعجال طلب التعجيل بالأمر والتعجيل تقديم الأمر قبل وقته ، والسيئة خصلة تسوء النفس ونقيضها الحسنة وهي خصلة تسر النفس ، والمثلات العقوبات واحدها مثلة بفتح الميم وضم الثاء ، ومن قال في الواحد: مثلة بضم الميم وسكون الثاء قال في الجمع: مثلات بضمتين نحو غرفة وغرفات ، وقيل في الجمع: مثلات ومثلات - أي بسكون الثاء وفتحها - انتهى.

وقال الراغب في المفردات ،: المثلة نقمة تنزل بالإنسان فيجعل مثالا يرتدع به غيره وذلك كالنكال وجمعه مثلات ومثلات - أي بضم الميم أو فتحها وضم الثاء - وقد قرىء: من قبلهم المثلات ، والمثلات بإسكان الثاء على التخفيف نحو عضد وعضد.

انتهى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت