و قوله:"و قل إني أنا النذير المبين"أي لا دعوى لي إلا أني نذير أنذركم بعذاب الله سبحانه مبين أبين لكم ما تحتاجون إلى بيانه ، وليس لي وراء ذلك من الأمر شيء.
فهذه الأمور الأربعة أعني ترك الرغبة بما في أيديهم من متاع الحياة الدنيا وترك الحزن عليهم إذا كفروا واستهزءوا ، وخفض الجناح للمؤمنين وإظهار أنه نذير مبين هو الصفح الجميل الذي يليق بالنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ، ولو أسقط منها واحد لاختل الأمر.
ومن ذلك يظهر أن قول بعضهم: إن قوله:"فاصفح الصفح الجميل"منسوخ بآية السيف غير وجيه فإن هذا الصفح الذي تأمر به الآية ويفسره قوله:"لا تمدن عينيك"باق على إحكامه واعتباره حتى بعد نزول آية السيف فلا وجه لنسبة النسخ إليه.
قوله تعالى:"كما أنزلنا على المقتسمين الذين جعلوا القرآن عضين"قال في المجمع: عضين جمع عضة وأصله عضوة فنقصت الواو ولذلك جمعت عضين بالنون كما قيل: عزوة وعزون والأصل عزوة ، والتعضية: التفريق مأخوذة من الأعضاء يقال: عضيت الشيء أي فرقته وبعضته قال رؤبة: وليس دين الله بالمعضي ، انتهى موضع الحاجة.
وقوله:"كما أنزلنا على المقتسمين"لا يخلو السياق من دلالة على أنه متعلق بمقدر يلوح إليه قوله:"و قل إني أنا النذير المبين"أي بعذاب منزل ينزل عليكم كما أنزلنا على المقتسمين ، والمراد بالمقتسمين هم الذين يصفهم قوله بعد:"الذين جعلوا القرآن عضين"وهم على ما وردت به الرواية قوم من كفار قريش جزءوا القرآن أجزاء فقالوا: سحر ، وقالوا: أساطير الأولين ، وقالوا: مفترى ، وتفرقوا في مداخل طرق مكة أيام الموسم يصدون الناس الواردين عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) كما سيأتي في البحث الروائي إن شاء الله.
وقيل قوله:"كما أنزلنا"متعلق بما تقدم من قوله:"و لقد آتيناك سبعا من المثاني"أي أنزلنا عليك القرآن كما أنزلنا على المقتسمين ، والمراد بالمقتسمين اليهود والنصارى الذين فرقوا القرآن أجزاء وأبعاضا وقالوا نؤمن ببعض ونكفر ببعض.
وفيه أن السورة مكية نازلة في أوائل البعثة ولم يبتل الإسلام يومئذ باليهود والنصارى ذاك الابتلاء وقولهم:"آمنوا بالذي أنزل على الذين آمنوا وجه النهار واكفروا آخره": آل عمران: 72 ، مما قالته اليهود بعد الهجرة وكذا ما أشبه ذلك والدليل على ما ذكرنا سياق الآيات.
وربما قيل: سموا مقتسمين لأنهم اقتسموا أنبياء الله وكتبه المنزلة إليهم فآمنوا ببعض وكفروا ببعض ، ويدفعه أن الآية التالية تفسر المقتسمين بالذين جعلوا القرآن عضين لا بالذين فرقوا بين أنبياء الله أو بين كتبه.
فالظاهر أن الآيتين تذكران قوما نهضوا في أوائل البعثة على إطفاء نور القرآن وبعضوه أبعاضا ليصدوا عن سبيل الله فأنزل الله عليهم العذاب وأهلكهم ، وهم الذين ذكروا في الآيتين ثم يذكر الله مآل أمرهم بقوله:"فوربك لنسألنهم أجمعين عما كانوا يعملون".
قوله تعالى:"فاصدع بما تؤمر وأعرض عن المشركين"قال في المجمع: الصدع والفرق والفصل نظائر ، وصدع بالحق إذا تكلم به جهارا ، انتهى.
والآية تفريع على ما تقدم ، ومن حقها أن تتفرع لأنها الغرض في الحقيقة من السورة أي إذا كان الأمر على ما ذكر وأمرت بالصفح الجميل وكنت نذيرا بعذابنا كما أنزلنا على المقتسمين فأظهر كلمة الحق وأعلن الدعوة.
وبذلك يظهر أن قوله:"إنا كفيناك المستهزءين"في مقام التعليل لقوله:"فاصدع"إلخ كما يشعر الكلام أو يدل على أن هؤلاء المستهزءين هم المقتسمون المذكورون قبل ، ومعنى الآية إذا كان الأمر كما ذكرناه وكنت نذيرا بعذابنا كما أنزلناه على المقتسمين"فاصدع بما تؤمر"وأعلن الدعوة وأظهر الحق"و أعرض عن المشركين إنا"أي لأننا"كفيناك المستهزءين"بإنزال العذاب عليهم وهم"الذين يجعلون مع الله إلها آخر فسوف يعلمون".
قوله تعالى:"و لقد نعلم أنك يضيق صدرك بما يقولون"رجع ثانيا إلى حزنه (صلى الله عليه وآله وسلم) وضيق صدره من استهزائهم لمزيد العناية بتسليته وتطييب نفسه وتقوية روحه ، وقد أكثر سبحانه في كلامه وخاصة في السور المكية من ذلك لشدة الأمر عليه (صلى الله عليه وآله وسلم) .