فهرس الكتاب

الصفحة 2503 من 4314

و الظاهر أن المثاني جمع مثنية اسم مفعول من الثني بمعنى اللوي والعطف والإعادة قال تعالى"يثنون صدورهم": هود: 5 ، وسميت الآيات القرآنية مثاني لأن بعضها يوضح حال البعض ويلوي وينعطف عليه كما يشعر به قوله:"كتابا متشابها مثاني"حيث جمع بين كون الكتاب متشابها يشبه بعض آياته بعضا وبين كون آياته مثاني ، وفي كلام النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) : في صفة القرآن:"يصدق بعضه بعضا"وعن علي (عليه السلام) : فيه:"ينطق بعضه ببعض ويشهد بعضه على بعض"أو هي جمع مثنى بمعنى التكرير والإعادة كناية عن بيان بعض الآيات ببعض.

ولعل في ذلك كفاية وغنى عما ذكروه من مختلف المعاني كما في الكشاف وحواشيه والمجمع وروح المعاني وغيرها كقولهم: إنها من التثنية أو الثني بمعنى التكرير والإعادة سميت آيات القرآن مثاني لتكرر المعاني فيها ، وكقولهم: سميت الفاتحة مثاني لوجوب قراءتها في كل صلاة مرتين أو لأنها تثنى في كل ركعة بما يقرأ بعدها من القرآن ، أو لأن كثيرا من كلماتها مكررة كالرحمان والرحيم وإياك والصراط وعليهم ، أو لأنها نزلت مرتين مرة بمكة ومرة بالمدينة أو لما فيها من الثناء على الله ، أو لأن الله استثناها وادخرها لهذه الأمة ولم ينزلها على الأمم الماضين كما في الرواية ، إلى غير ذلك من الوجوه المذكورة في التفاسير.

وفي قوله:"سبعا من المثاني والقرآن العظيم"من تعظيم أمر الفاتحة والقرآن ما لا يخفى أما القرآن فلتوصيفه من ساحة العظمة والكبرياء بالعظيم ، وأما الفاتحة فلمكان التعبير عنه بالنكرة غير الموصوفة"سبعا"وفيه من الدلالة على عظمة قدرها وجلالة شأنها ما لا يخفى وقد قوبل بها القرآن العظيم وهي بعضه.

والآية - كما تبين - في مقام الامتنان وهي مع ذلك لوقوعها في سياق الدعوة إلى الصفح والإعراض تفيد أن في هذه الموهبة العظمى المتضمنة لحقائق المعارف الإلهية الهادية إلى كل كمال وسعادة بإذن الله عدة أن تحملك على الصفح الجميل والاشتغال بربك والتوغل في طاعته.

قوله تعالى:"لا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجا منهم - إلى قوله - المبين"الآيتان في مقام بيان الصفح الجميل الذي تقدم الأمر به ، ولذلك جيء بالكلام في صورة الاستئناف.

والمذكور فيهما أربعة دساتير: منفيان ومثبتان فقوله:"لا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجا منهم"مد العينين إلى ما متعوا به من زهرة الحياة الدنيا كناية عن التعدي عن قصر النظر على ما آتاه الله من نعمة ، والمراد بالأزواج الأزواج من الرجال والنساء أو الأصناف من الناس كالوثنيين واليهود والنصارى والمجوس ، والمعنى لا تتجاوز عن النظر عما أنعمناك به من النعم الظاهرة والباطنة إلى ما متعنا به أزواجا قليلة أو أصنافا من الكفار.

وربما أخذ بعضهم قوله:"لا تمدن عينيك"كناية عن إطالة النظر وإدامته ، وأنت تعلم أن الغرض على أي حال النهي عن الرغبة والميل والتعلق القلبي بما في أيديهم من أمتعة الحياة كالمال والشوكة والصيت والذي يكنى به عن ذلك هو النهي عن أصل النظر إليه لا عن إطالته وإدامته ويشهد به ما سننقله من آية الكهف.

وقوله:"و لا تحزن عليهم"أي من جهة تماديهم في التكذيب والاستهزاء وإصرارهم على أن لا يؤمنوا بك.

وقوله:"و اخفض جناحك للمؤمنين"قالوا: هو كناية عن التواضع ولين الجانب ، والأصل فيه أن الطائر إذا أراد أن يضم إليه أفراخه بسط جناحه عليها ثم خفضه لها هذا.

والذي ذكروه وإن أمكن أن يتأيد بآيات أخر كقوله:"فبما رحمة من الله لنت لهم": آل عمران: 159 ، وقوله في صفة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) :"بالمؤمنين رءوف رحيم": التوبة: 128 ، لكن الذي وقع في نظير الآية مما يمكن أن يفسر به خفض الجناح هو صبر النفس مع المؤمنين وهو يناسب أن يكون كناية عن ضم المؤمنين إليه وقصر الهم على معاشرتهم وتربيتهم وتأديبهم بأدب الله أو كناية عن ملازمتهم والاحتباس فيهم من غير مفارقة ، كما أن الطائر إذا خفض الجناح لم يطر ولم يفارق ، قال تعالى:"و اصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه ولا تعد عيناك عنهم تريد زينة الحياة الدنيا"الآية: الكهف: 28.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت