فهرس الكتاب

الصفحة 2502 من 4314

و الحق أن الحجتين جميعا من الباطل فإن جهات القبح والمعصية في الأفعال حيثيات عدمية إذ الطاعة والمعصية كالنكاح والزنا وأكل المال من حله وبالباطل وأمثال ذلك مشتركة في أصل الفعل وإنما تختلف طاعة ومعصية بموافقة الأمر ومخالفته والمخالفة جهة عدمية ، وإذا كان كذلك فاستناد الفعل إلى الخلقة من جهة الوجود لا يستلزم استناد القبيح أو المعصية إليها فإن ذلك من جهاته العدمية فليس الفعل بجهته العدمية مما بين السماوات والأرض حتى تشمله الآية ، ولا بجهته الوجودية من الباطل حتى يكون خلقه خلقا للباطل بالحق.

على أن الضرورة قائمة على حكومة نظام العلل والمعلولات في الوجود وأن قيام وجود شيء بشيء بحيث لا يستقل دونه هو ملاك الاتصاف فالمتصف بالطاعة والمعصية وحسن الفعل وقبيحه هو الإنسان دون الذي خلقه ويسر له أن يفعل كذا وكذا كما أن المتصف بالسواد والبياض الجسم الذي يقوم به هذان اللونان دون الذي أوجده.

وقد استوفينا الكلام في هذا البحث في تفسير قوله:"و ما يضل به إلا الفاسقين": البقرة: 26 ، الجزء الأول من الكتاب.

قوله تعالى:"فاصفح الصفح الجميل إن ربك هو الخلاق العليم"قال في المفردات: صفح الشيء عرضه وجانبه كصفحة الوجه وصفحة السيف وصفحة الحجر والصفح ترك التثريب وهو أبلغ من العفو ولذلك قال:"فاعفوا واصفحوا حتى يأتي الله بأمره"وقد يعفوا الإنسان ولا يصفح قال تعالى:"فاصفح عنهم وقل سلام""فاصفح الصفح الجميل""أ فنضرب عنكم الذكر صفحا".

وصفحت عنه أوليته صفحة جميلة معرضا عن ذنبه أو لقيت صفحته متجافيا عنه أو تجاوزت الصفحة التي أثبت فيها ذنبه من الكتاب إلى غيرها من قولك تصفحت الكتاب ، وقوله:"إن الساعة لآتية فاصفح الصفح الجميل"فأمر له (عليه السلام) أن يخفف كفر من كفر كما قال:"و لا تحزن عليهم ولا تك في ضيق مما يمكرون"والمصافحة الإفضاء بصفحة اليد.

انتهى.

وسيأتي ما في الرواية من تفسير علي (عليه السلام) الصفح بالعفو من غير عتاب.

وقوله:"فاصفح الصفح الجميل"تفريع على سابقه أي إذا كانت الخلقة بالحق وهناك يوم فيه يحاسبون ويجازون لا ريب فيه فلا تشغل نفسك بما ترى منهم من التكذيب والاستهزاء واعف عنهم من غير أن تقع فيهم بعتاب أو مناقشة وجدال فإن ربك الذي خلقك وخلقهم هو عليم بحالك وحالهم ووراءهم يوم لا يفوتونه.

ومن هنا يظهر أن قوله:"إن ربك هو الخلاق العليم"تعليل لقوله:"فاصفح الصفح الجميل".

وهذه الآيات الحافة لقوله:"فاصدع بما تؤمر"تسلية للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وتطييب لنفسه ليأخذ قوله:"فاصدع بما تؤمر"موقعه فقد عرفت في أول السورة أن الغرض الأصيل منها هو الأمر بإعلان الدعوة وعرفت أيضا بالتدبر في الآيات السابقة أنها مسرودة ليتخلص بها إلى تسليته (صلى الله عليه وآله وسلم) عما لقي من قومه من الإيذاء والإهانة والاستهزاء ويتخلص من ذلك إلى الأمر المطلوب.

قوله تعالى:"و لقد آتيناك سبعا من المثاني والقرآن العظيم"السبع المثاني هي سورة الحمد على ما فسر في عدة من الروايات المأثورة عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وأئمة أهل البيت (عليهم السلام) فلا يصغى إلى ما ذكره بعضهم: أنها السبع الطوال ، وما ذكره بعض آخر أنها الحواميم السبع ، وما قيل: إنها سبع صحف من الصحف النازلة على الأنبياء ، فلا دليل على شيء منها من لفظ الكتاب ولا من جهة السنة.

وقد كثر اختلافهم في قوله:"من المثاني"من جهة كون"من"للتبعيض أو للتبيين وفي كيفية اشتقاق لفظة المثاني ووجه تسميتها بالمثاني.

والذي ينبغي أن يقال - والله أعلم - أن"من"للتبعيض فإنه سبحانه سمى جميع آيات كتابه مثاني إذ قال:"كتابا متشابها مثاني تقشعر منه قلوب الذين يخشون ربهم": الزمر: 23 وآيات سورة الحمد من جملتها فهي بعض المثاني لا كلها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت