فهرس الكتاب

الصفحة 2166 من 4314

و الإيجاس الخطور القلبي ، قال الراغب: الوجس الصوت الخفي ، والتوجس التسمع ، والإيجاس وجود ذلك النفس قال: وأوجس منهم خيفة ، والواجس قالوا: هو حالة تحصل من النفس بعد الهاجس لأن الهاجس مبتدأ التفكير ثم يكون الواجس الخاطر.

انتهى.

فالجملة من الكناية كان لطروق الخيفة - وهو النوع من الخوف - وخطوره في النفس صوتا تسمع بالسمع القلبي ، والمراد أنه استشعر في نفسه خوفا ولذلك أمنوه وطيبوا نفسه بقولهم:"لا تخف إنا أرسلنا إلى قوم لوط".

ومعنى الآية أن إبراهيم (عليه السلام) لما قدم إليهم العجل المشوي رآهم لا يأكلون منه كالممتنع من الأكل - وذلك أمارة الشر - استشعر في نفسه منهم خوفا قالوا تأمينا له وتطييبا لنفسه: لا تخف إنا أرسلنا إلى قوم لوط فعلم أنهم من الملائكة الكرام المنزهين من الأكل والشرب وما يناظر ذلك من لوازم البدن المادية ، وأنهم مرسلون لخطب جليل.

ونسبة استشعار الخوف إلى إبراهيم (عليه السلام) لا ينافي ما كان عليه من مقام النبوة الملازم للعصمة الإلهية من المعصية والرذائل الخلقية فإن مطلق الخوف وهو تأثر النفس عن مشاهدة المكروه التي تبعثها إلى التحذر منه والمبادرة إلى دفعه ليس من الرذائل ، وإنما الرذيلة هي التأثر الذي يستوجب بطلان مقاومة النفس وظهور العي والفزع والذهول عن التدبير لدفع المكروه وهو المسمى بالجبن كما أن عدم التأثر عن مشاهدة المكروه مطلقا وهو المسمى تهورا ليس من الفضيلة في شيء.

وذلك أن الله سبحانه لم يخلق هذه الحالات النفسانية التي تظهر في النفوس ومنها التأثر والانفعال عند مشاهدة المكروه والشر كالشوق والميل والحب وغير ذلك عند مشاهدة المحبوب والخير عبثا باطلا فإن جلب الخير والنفع ودفع الشر والضرر مما فطر على ذلك أنواع الموجودات على كثرتها وعليه يدور رحى الوجود في نظامه العام.

ولما كان هذا النوع المسمى بالإنسان إنما يسير في مسير بقائه بالشعور والإرادة كان عمل الجلب والدفع فيه مترشحا عن شعوره وإرادته ، ولا يتم إلا عن تأثر نفساني يسمى في جانب الحب ميلا وشهوة وفي جانب البغض والكراهة خوفا ووجلا.

ثم لما كانت هذه الأحوال النفسانية الباطنة ربما ساقت الإنسان إلى أحد جانبي الإفراط والتفريط كان من الواجب على الإنسان أن يقوم من الدفع على ما ينبغي وهو فضيلة الشجاعة كما أن من الواجب عليه أن يبادر من الجلب إلى ما ينبغي على ما ينبغي وهو فضيلة العفة وهما حدا الاعتدال بين الإفراط والتفريط ، وأما انتفاء التأثر بأن يلقي الإنسان بنفسه إلى التهلكة الصريحة في باب الدفع وهو التهور ، أولا تنزع نفسه إلى شيء مطلوب قط في باب الجلب والشهوة وهو الخمول وكذا بلوغ التأثر من القوة إلى حيث ينسى الإنسان نفسه ويذهل عن واجب رأيه وتدبيره فيجزع عن كل شبح يتراءى له في باب الدفع وهو الجبن أو ينكب على كل ما تهواه نفسه وتشتهيه كالبهيمة على عليقها في باب الشهوة وهو الشره فجميع هذه من الرذائل.

والذي آثر الله سبحانه به أنبياءه من العصمة إنما يثبت في نفوسهم فضيلة الشجاعة دون التهور ، وليست الشجاعة تقابل الخوف الذي هو مطلق التأثر عن مشاهدة المكروه ، وهو الذي يدعو النفس إلى القيام بواجب الدفع ، وإنما تقابل الجبن الذي هو بلوغ التأثر النفساني إلى حيث يبطل الرأي والتدبير ويستتبع العي والانهزام.

قال تعالى:"الذين يبلغون رسالات الله ويخشونه ولا يخشون أحدا إلا الله:"الأحزاب: - 39 ، وقال مخاطبا لموسى (عليه السلام) :"لا تخف إنك أنت الأعلى:"طه: - 68 ، وقال حكاية عن قول شعيب له (عليه السلام) :"لا تخف نجوت من القوم الظالمين:"القصص: - 25 ، وقال مخاطبا لنبيه (صلى الله عليه وآله وسلم) :"و إما تخافن من قوم خيانة فانبذ إليهم على سواء:"الأنفال: - 58.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت