و الخليل (عليه السلام) هو النبي الكريم الذي قام بالدعوة الحقة إذ لا يذكر اسم الله وحده ، ونازع وثنية قومه فحاج أباه آزر وقومه وحاج الملك الجبار نمرود وكان يدعي الألوهية ، وكسر أصنام القوم حتى ألقوه في النار فأنجاه الله من النار فلم يجبنه شيء من تلك المهاول ، ولا هزمه في جهاده في سبيل الله هازم ، ومثل هذا النبي على ما له من الموقف الروحي إن خاف من شيء أو وجل من أحد أو ارتاعه أمر - على اختلاف تعبير الآيات - فإنما يخافه خوف حزم ولا يخافه خوف جبن ، وإذا خاف من شيء على نفسه أو عرضه أو ماله فإنما يخاف لله لا لهوى من نفسه.
قوله تعالى:"و امرأته قائمة فضحكت فبشرناها بإسحاق ومن وراء إسحق يعقوب"ضحكت من الضحك بفتح الضاد أي حاضت ، ويؤيده تفريع البشارة عليه في قوله عقيبه:"فبشرناها"إلخ ، ويكون ضحكها أمارة تقرب البشرى إلى القبول ، وآية تهيىء نفسها للإذعان بصدقهم فيما يبشرون به ، ويكون ذكر قيامها لتمثيل المقام وأنها ما كانت تخطر ببالها أنها ستحيض وهي عجوز ، وإنما كانت قائمة تنظر ما يجري عليه الأمر بين بعله وبين الضيفان النازلين به وتحادثهم.
والمعنى أن إبراهيم (عليه السلام) كان يكلمهم ويكلمونه في أمر الطعام والحال أن امرأته قائمة هناك تنظر إلى ما يجري بين الضيفان وبين إبراهيم وما كان يخطر ببالها شيء دون ذلك ففاجأها أنها حاضت فبشرته الملائكة بالولد.
وأكثر المفسرين أخذوا الكلمة من الضحك بكسر الضاد ضد البكاء ثم اختلفوا في توجيه سببه ، وأقرب الوجوه هو أن يقال: إنها كانت قائمة هناك وقد ذعرت من امتناع الضيوف من الأكل وهو يهتف بالشر فلما لاحت لها أنهم ملائكة مكرمون نزلوا ببيتهم وأن لا شر في ذلك يتوجه إليهم سرت وفرحت فضحكت فبشروه بإسحاق ومن وراء إسحاق يعقوب.
وهناك وجوه أخر ذكروها خالية عن الدليل كقولهم إنها ضحكت تعجبا من غفلة قوم لوط ، وقولهم: إنها ضحكت تعجبا من امتناع الضيوف من الأكل والحال أنها تخدمهم بنفسها ، وقولهم: إنها كانت أشارت إلى إبراهيم أن يضم إليه لوطا لأن فحشاء قومه سيعقبهم العذاب والهلاك فلما سمعت من الملائكة قولهم: إنا أرسلنا إلى قوم لوط سرت وضحكت لإصابتها في الرأي ، وقولهم: إنها ضحكت تعجبا مما بشروها به من الولد وهي عجوز عقيم ، وعلى هذا ففي الكلام تقديم وتأخير والتقدير: فبشرناها بإسحاق ومن وراء إسحاق يعقوب فضحكت.
وقوله:"فبشرناها بإسحاق ومن وراء إسحق يعقوب"إسحاق هو ابنها من إبراهيم ، ويعقوب هو ابن إسحاق (عليه السلام) فالمراد أن الملائكة بشروها بأنها ستلد إسحاق وإسحاق سيولد له يعقوب ولد بعد ولد.
هذا على قراءة يعقوب بالفتح وهو منزوع الخافض وقرىء برفع يعقوب وهو بيان لتتمة البشارة ، والأولى أرجح.
وكان في هذا التعبير:"و من وراء إسحق يعقوب"إشارة إلى وجه تسمية يعقوب (عليه السلام) بهذا الاسم ، وهو أنه كان يعقب بحسب هذه البشارة أباه إسحاق وقد ذكر فيها أنه وراءه ، ويكون فيها تخطئة لما في التوراة من السبب في تسمية يعقوب به.
قال في التوراة الحاضرة: وكان إسحاق ابن أربعين سنة لما اتخذ لنفسه زوجه"رفقة"بنت بنوئيل الأرامي أخت لابان الأرامي من فدان الأرام ، وصلى إسحاق إلى الرب لأجل امرأته لأنها كانت عاقرا فاستجاب له الرب فحبلت رفقة امرأته وتزاحم الولدان في بطنها فقالت: إن كان هكذا فلما ذا أنا ، فمضت لتسأل الرب فقال لها الرب: في بطنك أمتان ، ومن أحشائك يفترق شعبان: شعب يقوى على شعب ، وكبير يستعبد لصغير.
فلما كملت أيامها لتلد إذا في بطنها توأمان فخرج الأول أحمر كله كفروة شعر فدعي اسمه عيسو ، وبعد ذلك خرج أخوه ويده قابضة بعقب عيسو فدعي اسمه يعقوب.
انتهى موضع الحاجة وهذا من لطائف القرآن الكريم.
قوله تعالى:"قالت يا ويلتى أ ألد وأنا عجوز وهذا بعلي شيخا إن هذا لشيء عجيب"الويل القبح وكل مساءة توجب التحسر من هلكة أو مصيبة أو فجيعة ، أو فضيحة ونداؤه كناية عن حضوره وحلوله يقال: يا ويلي أي حضرني وحل بي ما فيه تحسري ، ويا ويلتا بزيادة التاء عند النداء مثل يا أبتا.