فهرس الكتاب

الصفحة 4098 من 4314

و هذا القول لا يلائمه سياق الآيات الظاهر في تفرع صنعهم ذلك على ما مر من حرمان الناس من دخول الجنة إلا من استثني من المؤمنين إذ من الضروري على هذا أن اجتماعهم حوله (صلى الله عليه وآله وسلم) وإهطاعهم عليه إنما حملهم عليه إفراطهم في عداوته ومبالغتهم في إيذائه وإهانته ، وأن قولهم: سندخل الجنة قبل المؤمنين - وهم مشركون مصرون على إنكار المعاد غير معترفين بنار ولا جنة - إنما كان استهزاء وتهكما.

فلا مساغ لتفريع عملهم ذاك على ما تقدم من حديث النار والجنة والسؤال - في سياق التعجيب - عن السبب الحامل لهم عليه ثم استفهام طمعهم في دخول الجنة وإنكاره عليهم.

فبما تقدم يتأيد أن يكون المراد بالذين كفروا في قوله:"فما للذين كفروا"قوما من المنافقين آمنوا به (صلى الله عليه وآله وسلم) ظاهرا ولازموه ثم كفروا برد بعض ما نزل عليه كما يشير إليه أمثال قوله تعالى:"ذلك بأنهم آمنوا ثم كفروا فطبع على قلوبهم": المنافقون 3 ، وقوله:"لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم": التوبة 66 ، وقوله:"فأعقبهم نفاقا في قلوبهم": التوبة 77.

فهؤلاء قوم كانوا قد آمنوا ودخلوا في جماعة المؤمنين ولازموا النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) مهطعين عليه عن اليمين وعن الشمال عزين ثم كفروا ببعض ما نزل إليه لا يبالون به فقرعهم الله سبحانه في هذه الآيات أنهم لا ينتفعون بملازمته ولا لهم أن يطمعوا في دخول الجنة فليسوا ممن يدخلها وليسوا بسابقين ولا معجزين.

ويؤيده قوله الآتي:"إنا لقادرون على أن نبدل خيرا منهم"إلخ على ما سنشير إليه.

قوله تعالى:"كلا إنا خلقناهم مما يعلمون"ردع لهم عن الطمع في دخول الجنة مع كفرهم.

وقوله:"إنا خلقناهم مما يعلمون"المراد بما يعلمون النطفة فإن الإنسان مخلوق منها.

والكلام مرتبط بما بعده والمجموع تعليل للردع ، ومحصل التعليل أنا خلقناهم من النطفة - وهم يعلمون به - فلنا أن نذهب بهم ونخلق مكانهم قوما آخرين يكونون خيرا منهم مؤمنين غير رادين لشيء من دين الله ، ولسنا بمسبوقين حتى يعجزنا هؤلاء الكفار ويسبقونا فندخلهم الجنة وينتقض به ما قدرنا أن لا يدخل الجنة كافر.

وقيل:"من"في قوله:"مما يعلمون"تفيد معنى لام التعليل ، والمعنى أنا خلقناهم لأجل ما يعلمون وهو الاستكمال بالإيمان والطاعة فمن الواجب أن يتلبسوا بذلك حتى ندخلهم الجنة فكيف يطمعون في دخولها وهم كفار؟ وإنما علموا بذلك من طريق إخبار النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) .

وقيل:"من"لابتداء الغاية ، والمعنى: أنا خلقناهم من نطفة قذرة لا تناسب عالم القدس والطهارة حتى تتطهر بالإيمان والطاعة وتتخلق بأخلاق الملائكة فتدخل وأنى لهم ذلك وهم كفار.

وقيل: المراد بما في"ما يعلمون"الجنس ، والمعنى أنا خلقناهم من جنس الآدميين الذين يعلمون أو من الخلق الذين يعلمون لا من جنس الحيوانات التي لا تعقل ولا تفقه فالحجة لازمة لهم تامة عليهم ، والوجوه الثلاثة سخيفة.

قوله تعالى:"فلا أقسم برب المشارق والمغارب إنا لقادرون على أن نبدل خيرا منهم وما نحن بمسبوقين"المراد بالمشارق والمغارب مشارق الشمس ومغاربها فإن لها في كل يوم من أيام السنة الشمسية مشرقا ومغربا لا يعود إليهما إلى مثل اليوم من السنة القابلة ، ومن المحتمل أن يكون المراد بها مشارق جميع النجوم ومغاربها.

وفي الآية على قصرها وجوه من الالتفات ففي قوله:"فلا أقسم"التفات من التكلم مع الغير في"إنا خلقناهم"إلى التكلم وحده ، والوجه فيه تأكيد القسم بإسناده إلى الله تعالى نفسه.

وفي قوله:"برب المشارق والمغارب"التفات من التكلم وحده إلى الغيبة ، والوجه فيه الإشارة إلى صفة من صفاته تعالى هي المبدأ في خلق الناس جيلا بعد جيل وهي ربوبيته للمشارق والمغارب فإن الشروق بعد الشروق والغروب بعد الغروب الملازم لمرور الزمان دخلا تاما في تكون الإنسان جيلا بعد جيل وسائر الحوادث الأرضية المقارنة له.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت