فهرس الكتاب

الصفحة 2018 من 4314

قوله تعالى:"هو الذي يسيركم في البر والبحر حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم"إلى آخر الآية ، الفلك السفينة وتستعمل مفردا وجمعا ، والمراد بها هاهنا الجمع بدليل قوله:"و جرين بهم"والريح العاصف: الشديدة الهبوب ، وقوله:"أحيط بهم"كناية عن الإشراف على الهلاك وتقديره أحاط بهم البلاء أو الأمواج ، والإشارة بقوله:"من هذه"إلى الشدة.

ومعنى الآية ظاهر.

وفيها من عجيب الالتفات الالتفات من الخطاب إلى الغيبة في قوله:"و جرين بهم بريح طيبة - إلى قوله - بغير الحق"ولعل النكتة فيه إرجاعهم إلى الغيبة وتوجيه الخطاب إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ووصف أعجب جزء من هذه القصة الموصوفة له ليسمعه ويتعجب منه ، ويكون فيه مع ذلك إعراض عن الأمر بمخاطبتهم لأنهم لا يفقهون القول.

قوله تعالى:"فلما أنجاهم إذا هم يبغون في الأرض بغير الحق"أصل البغي هو الطلب ويكثر استعماله في مورد الظلم لكونه طلبا لحق الغير بالتعدي عليه ويقيد حينئذ بغير الحق ، ولو كان بمعنى الظلم محضا لكان القيد زائدا.

والجملة من تتمة الآية السابقة ، والمجموع أعني قوله:"هو الذي يسيركم في البر والبحر - إلى قوله - بغير الحق"بمنزلة الشاهد والمثال بالنسبة إلى عموم قوله قبله:"و إذا أذقنا الناس رحمة من بعد ضراء مستهم"إلى آخر الآية ، أو لخصوص قوله:"قل الله أسرع مكرا"وعلى أي حال فقوله:"يا أيها الناس إنما بغيكم على أنفسكم"إلخ ، مما يتوقف عليه تمام الغرض من الكلام في الآية السابقة وإن لم يكن من كلام النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فافهم ذلك.

قوله تعالى:"يا أيها الناس إنما بغيكم على أنفسكم متاع الحيوة الدنيا ثم إلينا مرجعكم"إلى آخر الآية ، في الكلام التفات من الغيبة إلى الخطاب فقوله:"يا أيها الناس"إلخ ، خطاب منه تعالى للناس بلا واسطة ، وليس من كلام النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) مما أمره الله سبحانه أن يخاطب به الناس.

والدليل على ذلك قوله تعالى"ثم إلينا مرجعكم"إلى آخر الآية ، فإنه لا يصلح أن يكون من خطاب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) .

والنكتة في هذا الالتفات هي نظير النكتة التي قدمنا ذكرها في قوله تعالى في أول الكلام:"إن رسلنا يكتبون ما تمكرون"فكأنه سبحانه يفاجئهم بالاطلاع عليهم أثناء ما يخاطبهم النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وهم يحسبون أن ربهم غائب عنهم غافل عن نياتهم ومقاصدهم في أعمالهم فيشرف عليهم ويمثل بذلك كونه معهم في جميع أحوالهم وإحاطته بهم ويقول لهم: أنا أقرب إليكم وإلى أعمالكم منكم فما تعملونه من عمل تريدون به أن تبتغوا علينا وتمكروا بنا إنما توجد بتقديرنا وتجري بأيدينا فكيف يمكنكم أن تبغوا بها علينا؟ بل هي بغي منكم على أنفسكم فإنها تبعدكم منا وتكتب آثامها في صحائف أعمالكم فبغيكم على أنفسكم وهو متاع الحياة الدنيا تتمتعون به أياما قلائل ثم إلينا مرجعكم فنخبركم ونوضح لكم هناك حقائق أعمالكم.

وقوله:"متاع الحيوة الدنيا"بالنصب في قراءة حفص عن عاصم والتقدير: تتمتعون متاع الحياة الدنيا ، وبالرفع في قراءة غيره وهو خبر لمبتدإ محذوف ، والتقدير هو أي بغيكم وعملكم متاع الحياة الدنيا.

وعلى كلتا القراءتين فقوله:"متاع الحيوة الدنيا"إلى آخر الآية ، تفصيل لإجمال قوله:"إنما بغيكم على أنفسكم"فقوله"متاع"إلخ ، في مقام التعليل بالنسبة إلى كون بغيهم على أنفسهم من قبيل تعليل الإجمال بالتفصيل وبيانه به.

قوله تعالى:"إنما مثل الحيوة الدنيا كماء أنزلناه من السماء فاختلط به نبات الأرض"إلى آخر الآية ، لما ذكر سبحانه في الآية السابقة متاع الحياة الدنيا مثل له بهذا المثل يصف فيه من حقيقة أمره ما يعتبر به المعتبرون ، وهو من الاستعارة التمثيلية وليس من تشبيه المفرد بالمفرد من شيء وإن أوهم ذلك قوله:"كماء أنزلناه"ابتداء ، ونظائره شائعة في أمثال القرآن ، والزخرف الزينة والبهجة ، وقوله:"لم تغن"من غني في المكان إذا أقام فيه فأطال المقام ، والباقي ظاهر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت