فهرس الكتاب

الصفحة 2017 من 4314

قوله تعالى:"و إذا أذقنا الناس رحمة من بعد ضراء مستهم إذا لهم مكر في آياتنا"إلى آخر الآية مضمون الآية وإن كان من المعاني العامة الجارية في أغلب الناس في أكثر الأوقات فإن الفرد من الإنسان لا يخلو عن أن يمسه سراء بعد ضراء بل قلما يتفق أن لا يتكرر في حقه ذلك لكن الآية من جهة السياق المتقدم كأنها مسوقة للتعريض للمشركين ومكرهم في آيات الله ، والدليل عليه قوله:"قل الله أسرع مكرا"فقد كان النظر معطوفا على مكر طائفة خاصة وهم المخاطبون بهذه الآيات حيث كانوا يمكرون بآيات السراء والضراء بعد ظهورها ، ومن مكرهم مكرهم في القرآن الذي هو آية إلهية ورحمة أذاقهم الله إياها بعد ضراء الجهالة العالقة بهم وشمول ضنك العيش والذلة والتفرقة وتباعد القلوب وبغضائها لهم وهم يمكرون به فتارة يقولون"ائت بقرآن غير هذا أو بدله"وتارة يقولون:"لو لا أنزل عليه آية من ربه".

فالآية تبين لهم أن هذا كله مكر يمكرونه في آيات الله ، وتبين لهم أن المكر بآيات الله لا يعقب إلا السوء من غير أن ينفعهم شيئا فإن الله أسرع مكرا يأخذهم مكره قبل أن يأخذ مكرهم آياته فإن مكرهم بآيات الله عين مكر الله بهم.

فمعنى الآية:"و إذا أذقنا الناس"عبر عن الإصابة بالإذاقة للإيماء إلى التذاذهم بالرحمة وعناية بالقلة فإن الذوق يستعمل في القليل من التغذي"رحمة من بعد ضراء مستهم"والتعبير بالرحمة في موضع السراء للإشارة إلى أنها من الرحمة الإلهية من غير أن يستوجبوا ذلك فكان من الواجب عليهم أن يقوموا بحقه ، ويخضعوا لما تدعو إليه الآية وهو توحيد ربهم وشكر نعمته لكنهم يفاجئون بغير ذلك"إذا لهم مكر في آياتنا"كتوجيه الحوادث بما تبطل به دلالة الآيات كقولهم قد مس آباءنا السراء والضراء ، والاعتذار بما لا يرتضيه الله كقولهم:"لو لا أنزل عليه آية"وقولهم:"إن نتبع الهدى معك نتخطف من أرضنا".

فأمر الله نبيه (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يجيبهم بقوله:"قل الله أسرع مكرا"ثم علله بقوله:"إن رسلنا يكتبون ما تمكرون"فلنا عليكم شهداء رقباء أرسلناهم إليكم يكتبون أعمالكم ويحفظونها وبمجرد ، ما عملتم عملا حفظ عليكم وتعين جزاؤه لكم قبل أن يؤثر مكركم أثره أو لا يؤثر كما فسروه.

وهنا شيء وهو أن الظاهر من قوله تعالى:"هذا كتابنا ينطق عليكم بالحق إنا كنا نستنسخ ما كنتم تعملون:"الجاثية: - 29 على ما سيجيء من البيان في تفسير الآية إن شاء الله تعالى أن معنى كتابة الملائكة أعمال العباد هو إخراجهم الأعمال من كمون الاستعدادات إلى مرحلة الفعلية الخارجية ورسم نفس الأعمال في صحيفة الكون وبذلك تنجلي علية كتابة الرسل لأعمالهم لكونه تعالى أسرع مكرا تمام الانجلاء فإن حقيقة المعنى على هذا: أنا نحن نخرج أعمالكم التي تمكرون بها من داخل ذواتكم ونضعها في الخارج فكيف يخفى علينا كونكم تريدون بنا المكر بذلك؟ وهل المكر إلا صرف الغير عما يقصده بحيلة وستر عليه بل ذاك الذي تزعمونه مكرا بنا مكر منا بكم حيث نجعلكم تزعمونه مكرا وتقدمون على المكر بنا ، وهذه المزعمة والإقدام ضلال منكم وإضلال منا لكم جزاء بما كسبته أيديكم ، وسيأتي نظير هذا المعنى في قوله:"يا أيها الناس إنما بغيكم على أنفسكم": الآية - 23 من السورة.

وفي الآية التفات من الغيبة إلى الخطاب في قوله:"إن رسلنا يكتبون ما تمكرون"على قراءة تمكرون بتاء الخطاب وهي القراءة المشهورة وهو من عجيب الالتفات الواقع في القرآن ولعل النكتة فيه تمثيل معنى قوله:"قل الله أسرع مكرا"في العين كأنه تعالى لما قال لنبيه (صلى الله عليه وآله وسلم) :"قل الله أسرع مكرا"أراد أن يوضحه لهم عيانا ففاجأهم بتجليه لهم دفعة فكلمهم وأوضح لهم السبب في كونه أسرع مكرا ثم حجبهم عن نفسه فعادوا إلى غيبتهم وعاد الكلام إلى حاله ، وخوطب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ببقية الخطاب:"هو الذي يسيركم"إلخ ، وهذا من لطيف الالتفات.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت