فهرس الكتاب

الصفحة 2016 من 4314

و فيه أنه خلاف ظاهر الآية والآية التي في سورة البقرة ، وكذا ظاهر سائر الآيات كقوله:"و ما تفرقوا إلا من بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم:"الشورى: - 14 وقوله:"و ما اختلف الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم:"آل عمران: - 19.

على أن القول بوجود الاختلاف الدائم بين الناس مع عدم رجوعه إلى الفطرة مما لا يجتمعان.

ومنها: أن المراد أن الناس جميعا كانوا على ملة واحدة هي الكفر والشرك ثم اختلفوا فكان مسلم وكافر.

وهذا أسخف الأقوال في الآية فإنه مضافا إلى كونه قولا بغير دليل يأباه ظاهر الآيات فإن ظاهرها أن ظهور الاختلاف لانتهائه إلى بغي الناس من بعد ما جاءهم العلم أي ظهور الكفر والشرك عن بغي كان هو المقتضي للحكم بينهم والقضاء عليهم بنزول العذاب والهلاك فإذا كانوا جميعا على الكفر والشرك من غير سابقة هدى وإيمان فما معنى استناد الاقتضاء إلى البغي عن علم؟ وما معنى خلق الجميع ووجود المقتضي لإهلاكهم جميعا إلا انتقاض الغرض الإلهي؟.

وهذا القول أشبه بما قالته النصارى في مسألة التفدية إن الله خلق الإنسان ليطعمه فيسكنه الجنة دائما لكنه عصاه ونقض بذلك غرض الخلقة فتداركه الله بتفدية المسيح.

ومنها: قول بعضهم: إن المراد بالكلمة في قوله:"و لو لا كلمة سبقت من ربك"إلخ قوله تعالى فهذه السورة:"إن ربك يقضي بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون:"الآية - 93.

وفيه: أن المراد بالسبق إن كان هو السبق بحسب البيان فالآية متأخرة عن هذه الآية لوقوعها في أواخر السورة ، والآيات متصلة جارية.

على أن الآية في بني إسرائيل خاصة والضمير في قوله:"بينهم"راجع إليهم وهي قوله:"و لقد بوأنا بني إسرائيل مبوأ صدق ورزقناهم من الطيبات فما اختلفوا حتى جاءهم العلم إن ربك يقضي بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون:"يونس - 93.

على أن قوله في بعض الآيات:"و لو لا كلمة سبقت من ربك إلى أجل مسمى لقضي بينهم:"الشورى: - 14 لا يلائم هذا المعنى من السبق.

وإن كان المراد بالسبق السبق بحسب القضاء فينبغي أن يتبع في ذلك أول كلمة قالها الله تعالى في ضلال الناس وشركهم ومعصيتهم ، وليست إلا ما قاله عند أول ما أسكن الإنسان الأرض وهو ما قدمناه من الآية.

قوله تعالى:"و يقولون لو لا أنزل عليه آية من ربه فقل إنما الغيب لله فانتظروا إني معكم من المنتظرين"الآية كقوله قبلها:"و يعبدون من دون الله"وقوله قبله:"و إذا تتلى عليهم آياتنا"تعد أمورا من مظالم المشركين في أقوالهم وأعمالهم ثم ترد عليها بحجج تلقنها النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ليقيمها عليهم كما مر في أول الآيات فقوله:"و يقولون لو لا أنزل"إلخ ، عطف على قوله في أول الآيات:"و إذا تتلى عليهم آياتنا".

وفيها مع ذلك عود بعد عود إلى إنكارهم أمر القرآن فإن مرادهم بقولهم:"لو لا أنزل عليه آية من ربه"وإن كان طلب آية أخرى غير القرآن لكنهم إنما قالوه إزراء وتحقيرا لأمر القرآن واستخفافا به لعدم عده آية إلهية والدليل عليه قوله تعالى:"فقل إنما الغيب لله"ولم يقل:"قل"كما قال في سائر الآيات كأنه يقول: ويطلبون منك آية أخرى غير مكتفين بالقرآن ولا راضين به فإذا لم يكتفوا به آية فقل: إنما الآيات من الغيب المختص بالله وليست بيدي فانتظروا إني معكم من المنتظرين.

فهذا هو المستفاد من الآية وفيها دلالة على أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) كان ينتظر آية فاصلة بين الحق والباطل غير القرآن قاضية بينه وبين أمته ، وسيجيء الوعد الصريح منه بهذه الآية - التي يأمر بانتظارها هاهنا - في قوله:"و إما نرينك بعض الذي نعدهم أو نتوفينك فإلينا مرجعهم:"يونس: - 46 إلى تمام عدة آيات.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت