فهرس الكتاب

الصفحة 2015 من 4314

و قد أمر الله سبحانه نبيه (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يحتج على بطلان دعواهم الشفاعة - مضافا إلى ما يلوح إليه قوله:"لا يضرهم ولا ينفعهم"- بقوله:"قل أ تنبئون الله بما لا يعلم في السموات ولا في الأرض"ومحصله أن الله سبحانه لا علم له بهذه الشفعاء في شيء من السماوات والأرض فدعواكم هذه إخبار منكم إياه بما لا يعلم ، وهو من أقبح الافتراء وأشنع المكابرة ، وكيف يكون في الوجود شيء لا يعلم به الله وهو يعلم ما في السماوات والأرض؟.

فالاستفهام إنكاري ، ونفي العلم بوجود الشفعاء كناية عن نفي وجودها ، ولعل اختيار هذا التعبير لكون الشفاعة مما يتقوم بالعلم لذاته فإن الشفاعة إنما تتحقق إذا كان المشفوع عنده عالما بوجود الشافع وشفاعته فإذا فرض أنه لا يعلم بالشفعاء فكيف تتحقق الشفاعة عنده وهو لا يعلم.

وقوله:"سبحانه وتعالى عما يشركون"كلمة تنزيه ، وهي من كلام الله وليست مقولة قول النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فإن ظرف المشركين بالنسبة إليه هو الخطاب دون الغيبة فلو كان من كلام النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لقيل: عما تشركون بالخطاب.

قوله تعالى:"و ما كان الناس إلا أمة واحدة فاختلفوا"قد تقدم في تفسير قوله تعالى:"كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه وما اختلف فيه إلا الذين أوتوه من بعد ما جاءتهم البينات بغيا بينهم:"البقرة: - 213 أن الآية تكشف عن نوعين من الاختلاف بين الناس.

أحدهما: الاختلاف من حيث المعاش وهو الذي يرجع إلى الدعاوي وينقسم به الناس إلى مدع ومدعى عليه وظالم ومظلوم ومتعد ومتعدى عليه وآخذ بحقه وضائع حقه ، وهذا هو الذي رفعه الله سبحانه بوضع الدين وبعث النبيين وإنزال الكتاب معهم ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه ، ويعلمهم معارف الدين ويواجههم بالإنذار والتبشير.

وثانيهما: الاختلاف في نفس الدين وما تضمنه الكتاب الإلهي من المعارف الحقة من الأصول والفروع ، وقد صرح القرآن في مواضع من آياته أن هذا النوع من الاختلاف ينتهي إلى علماء الكتاب بغيا بينهم ، وليس مما يقتضيه طباع الإنسان كالقسم الأول ، وبذلك ينقسم الطريق إلى طريقي الهداية والضلال فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق ، وقد ذكر سبحانه في مواضع من كلامه بعد ذكر هذا القسم من الاختلاف أنه لو لا قضاء من الله سبق لحكم بينهم فيما اختلفوا فيه ولكن يؤخرهم إلى أجل ، قال تعالى:"و ما تفرقوا إلا من بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم ولو لا كلمة سبقت من ربك إلى أجل مسمى لقضي بينهم:"الشورى: - 14 إلى غير ذلك من الآيات.

وسياق الآية السابقة أعني قوله تعالى:"و يعبدون من دون الله ما لا يضرهم ولا ينفعهم"إلخ ، لا يناسب من الاختلافين المذكورين إلا الاختلاف الثاني وهو الاختلاف في نفس الدين لأنها تذكر ركوب الناس طريق الضلال بعبادتهم ما لا يضرهم ولا ينفعهم واتخاذهم شفعاء عند الله ومقتضى ذلك أن يكون المراد من كون الناس سابقا أمة واحدة كونهم على دين واحد وهو دين التوحيد ثم اختلفوا فتفرقوا فريقين موحد ومشرك.

فذكر الله فيها أن اختلافهم كان يقضي أن يحكم الله بينهم بإظهار الحق على الباطل وفيه هلاك المبطلين وإنجاء المحقين لكن السابق من الكلمة الإلهية منعت من القضاء بينهم ، والكلمة هي قوله تعالى لما أهبط الإنسان إلى الدنيا:"و لكم في الأرض مستقر ومتاع إلى حين:"البقرة: - 36.

وللمفسرين في الآية أقوال عجيبة منها: أن المراد بالناس هم العرب كانوا على دين واحد حق وهو دين إبراهيم (عليه السلام) إلى زمن عمرو بن لحي الذي زوج بينهم الوثنية فانقسموا إلى حنفاء مسلمين ، وعبدة أصنام مشركين وأنت خبير أنه لا دليل عليه من جهة اللفظ البتة.

ومنها: أن المراد بالناس جميعهم ، والمراد من كونهم أمة واحدة كونهم على فطرة الإسلام وإن كانوا مختلفين دائما ، فلفظة"كان"منسلخ الزمان ، والآية تحكي عما عليه الناس بحسب الطبع وهو التوحيد ، وما هم عليه بحسب الفعلية وهو الاختلاف فليس الناس بحسب الطبع الفطري إلا أمة واحدة موحدين لكنهم اختلفوا على خلاف فطرتهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت