فهذه وجوه مذكورة في تفسير الآية ودونها وجوه مذكورة في مختلف التفاسير وهي جميعا لا تخلو من شيء وهو أن شيئا منها لا ينطبق على الحصر الموجود في قوله:"ما ننزل الملائكة إلا بالحق"فنزول الملائكة لا يختص بعذاب الاستئصال فقط ولا بالموت فقط ، ولا بالوحي والرسالة فقط ، وتوجيه الآية بما يختص بأحد المعاني الثلاث المذكورة للحق يحتاج إلى تقييدها بقيود كثيرة يدفعها إطلاق الآية كما هو ظاهر لمن راجع الوجوه المقررة آنفا.
ويمكن أن يقرر معنى الآية باستمداد من التدبر في آيات أخر أن ظرف الحياة المادية أعني هذه النشأة الدنيوية ظرف يختلط فيه الحق والباطل من غير أن يتمحض الحق في الظهور بجميع خواصه وآثاره كما يشير إليه قوله تعالى:"كذلك يضرب الله الحق والباطل: الرعد: 17 ، وقد تقدم تفصيل القول في ذلك فما يظهر فيه شيء من الحق إلا وهو يحتمل شيئا من اللبس والشك كما يصدقه استقراء الموارد التي صادفناها مدى أعمارنا ، ومن الشاهد عليه قوله تعالى:"و لو جعلناه ملكا لجعلناه رجلا وللبسنا عليهم ما يلبسون": الأنعام: 9 ، والظرف ظرف الامتحان والاختيار ولا اختيار إلا مع إمكان التباس الحق بالباطل واختلاط الخير والشر بنحو حتى يقف الإنسان على ملتقى الطريقين ومنشعب النجدين فيستدل على الخير والشر بآثارهما وأماراتهما ثم يختار ما يستحقه من السعادة والشقاوة."
وأما عالم الملائكة وظرف وجودهم فإنما هو عالم الحق غير مشوب بشيء من الباطل كما يدل عليه قوله تعالى:"لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون": التحريم: 6 ، وقوله:"بل عباد مكرمون لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون": الأنبياء: 27.
فمقتضى الآيات وما في معناها أنهم في أنفسهم مخلوقات شريفة ووجودات طاهرة نورانية منزهة عن النقص والشين لا تحتمل الشر والشقاء وليس عندها إمكان الفساد والمعصية والتقصير فلا يحكم فيها هذا النظام المادي المبني على أساس الإمكان والاختيار وجواز الصلاح والفساد والطاعة والمعصية والسعادة والشقاء جميعا ، وسيوافيك البحث المستوفى فيه فيما يناسبه من المورد إن شاء الله.
وسيأتي أيضا أن الإنسان لا طريق له إلى هذا الظرف الحق ما دام متوغلا في هذا العالم المادي متورطا في ورطات الشهوات والأهواء كأهل الكفر والفسوق إلا ببطلان عالمهم وخروجهم إلى العالم الحق وظهوره عليهم وانكشاف الغطاء عنهم كما يشير إليه قوله:"لقد كنت في غفلة من هذا فكشفنا عنك غطاءك فبصرك اليوم حديد": ق - 22 ، وهذا هو العالم الذي يسمى بالنسبة إلى الإنسان آخرة.
فتبين أن ظهور عالم الملائكة للناس المتوغلين في عالم المادة متوقف على تبدل الظرف والانتقال من الدنيا إلى الآخرة وهو الموت اللهم إلا في المصطفين من عباد الله وأوليائه المطهرين من أقذار الذنوب الملازمين لساحة قربه لهم أهلية مشاهدة الغيب وهم في عالم الشهادة كالأنبياء (عليهم السلام) .
ولعل ما قدمناه هو المراد بقوله:"ما ننزل الملائكة إلا بالحق وما كانوا إذا منظرين"، فإنهم إنما اقترحوا نزول الملائكة ليشاهدوهم في صورهم الأصلية حتى يصدقوا وهذا الحال لا تتمهد لهم إلا بالموت كما قال تعالى:"و قال الذين لا يرجون لقاءنا لو لا أنزل علينا الملائكة - إلى أن قال - يوم يرون الملائكة لا بشرى يومئذ للمجرمين ويقولون حجرا محجورا وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثورا": الفرقان: 23.
وقد اجتمع المعنيان في قوله تعالى:"و قالوا لو لا أنزل عليه ملك ولو أنزلنا ملكا لقضي الأمر ثم لا ينظرون ولو جعلناه ملكا لجعلناه رجلا وللبسنا عليهم ما يلبسون": الأنعام: 9 ، يقول تعالى: لو أنزلنا عليه الملائكة آية خارقة للعادة مصدقة للنبوة كان لازمه القضاء عليهم وهلاكهم ولو قلدنا الملك النبوة والرسالة كان لازمه أن نصوره في صورة رجل من الإنسان ، وأن نوقفه موقفا يحتمل اللبس فإن الرسالة إحدى وسائل الامتحان والابتلاء الإلهي ولا امتحان إلا بما يحتمل السعادة والشقاء والفوز والخيبة ويجوز معه النجاة والهلاك ولو توصل إلى الرسالة بما يضطر العقول إلى الإيمان ويلجىء النفوس إلى القبول واليقين لبطل ذلك كله.