فهرس الكتاب

الصفحة 2453 من 4314

و قوله:"ذرهم يأكلوا ويتمتعوا ويلههم الأمل"أمر برفع اليد عنهم وتركهم وما هم فيه من الباطل ، وهو كناية عن النهي عن الجدال معهم والاحتجاج عليهم لإثبات هذه الحقيقة وهي أنهم سوف يودون الإسلام ويتمنونه ولا سبيل لهم إلى تحصيله وتدارك ما فات منه ، وقوله:"فسوف يعلمون"في موضع التعليل للأمر أي ذرهم ولا تجادلهم ولا تحاجهم فلا حاجة إلى ذلك لأنهم سوف يعلمون ذلك فإن الحق ظاهر لا محالة.

وفي الآية تعريض لهم أنهم لا غاية لهم في حياتهم إلا الأكل والتمتع بلذات المادة والتلهي بالآمال والأماني فلا منطق لهم إلا منطق الأنعام والحيوان العجم فمن الحري أن يتركوا وما هم فيه ، ولا يلقى إليهم الحجج الحقة المبنية على أساس العقل السليم والمنطق الإنساني.

قوله تعالى:"و ما أهلكنا من قرية إلا ولها كتاب معلوم"إلى آخر الآيتين تثبيت وتوكيد لقوله في الآية السابقة:"فسوف يعلمون"على ما يعطيه السياق والمعنى دعهم فإنهم لا يسلمون في هذه الحياة الدنيا وإنما يودون الإسلام بعد حلول أجلهم ونزول الهلاك بهم ، والناس ليسوا بذوي خيرة في ذلك بل لكل أمة كتاب معلوم عند الله مكتوب فيه أجلهم لا يقدرون أن يستقدموه ولا يستأخروه ساعة.

وفي الآيتين دلالة على أن الأمة من الإنسان لها كتاب كما أن للفرد منه كتابا ، قال تعالى:"و كل إنسان ألزمناه طائره في عنقه ونخرج له يوم القيامة كتابا يلقاه منشورا": إسراء: 13.

قوله تعالى:"و قالوا يا أيها الذي نزل عليه الذكر إنك لمجنون"كلام خارج مخرج الاستهزاء ولذلك خاطبوه (صلى الله عليه وآله وسلم) لا باسمه بل بوصف نزول الذكر عليه كما كان يدعيه ، وجاءوا بالفعل المجهول للدلالة على أن منزله غير معلوم عندهم ولا اعتماد ولا وثوق لهم بما يدعيه هو أن الله تعالى هو الذي أنزله ، وتوصيفه بالذي نزل عليه الذكر وكذا تسمية النازل عليه ذكرا كل ذلك من الاستهزاء كما أن قولهم:"إنك لمجنون"رمي وتكذيب.

قوله تعالى:"لو ما تأتينا بالملائكة إن كنت من الصادقين"لو ما مثل هلا للتحضيض أي هلا تأتينا بالملائكة إن كنت صادقا في دعوى النبوة ليشهدوا على صدق دعواك وينذر معك ، فهو قريب المعنى من قولهم على ما حكاه الله:"لو لا أنزل إليه ملك فيكون معه نذيرا": الفرقان: 7.

ووجه اقتراحهم على الأنبياء أن يأتوا بالملائكة ويظهروهم لهم اعتقادهم أن البشرية كينونة مادية مغمورة في قذارة الشهوة والغضب لا نسبة بينها وبين العالم السماوي الذي هو محض النورانية والطهارة فمن ادعى نوعا من الاتصال بذاك العالم الروحاني فعليه أن يأتي ببعض أهله من الملائكة الكرام ليصدقوه في دعواه ويعينوه في دعوته.

على أن الملائكة عند الوثنيين آلهة دون الله سبحانه فدعوتهم إلى التوحيد معناها أن هؤلاء الآلهة في معزل من الشفاعة والعبادة بأمر من الله سبحانه وهو إله الآلهة ولا دليل على ذلك كاعترافهم به فلينزلوا وليعترفوا ويصدقوا النبوة.

قوله تعالى:"ما ننزل الملائكة إلا بالحق وما كانوا إذا منظرين"جواب عما اقترحوا على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يأتيهم بالملائكة حتى يصدقوه ، ومحصل الجواب أن السنة الإلهية جارية على ستر ملائكته عنهم تحت أستار الغيب فلو أنزلهم وأظهرهم لهم عن اقتراحهم ذلك كان ذلك آية سماوية خارقة للعادة نازلة عن اقتراحهم ، ومن شأن الآية المعجزة النازلة عن اقتراح الناس أن يعقبها عذاب الاستئصال والهلاك القطعي إن لم يؤمنوا بها ، وهؤلاء الكفار المعاندون ليسوا بمؤمنين فهو الهلاك.

وبالجملة لو أنزل الله الملائكة والحال هذا الحال - هم يقترحون آية فاصلة تظهر الحق وتميط الباطل لأنزلهم بالحق الفاصل المميز وما كانوا إذا منظرين بل يهلكون ويقطع دابرهم ، هذا محصل ما ذكره بعضهم.

وقيل: المراد بالحق في الآية الموت والمعنى ما نزل الملائكة على الناس إلا مصاحبا للحق الذي هو الموت وما كانوا إذا منظرين ، وكأنه مأخوذ من قوله تعالى:"يوم يرون الملائكة لا بشرى يومئذ للمجرمين"الآية.

وقيل: المراد بالحق الرسالة أي ما نزل الملائكة إلا بالوحي والرسالة وكأنه مأخوذ من نحو قوله:"قد جاءكم الرسول بالحق": النساء: 170 ،"و قوله فقد كذبوا بالحق لما جاءهم: الأنعام: 5."

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت