فهرس الكتاب

الصفحة 431 من 4314

أقول: أما إن قاعدة تنازع البقاء وكذا قاعدة الانتخاب الطبيعي بالمعنى الذي مر بيانه حق في الجملة ، وأن القرآن يعتني بهما فلا كلام فيه ، لكن هذين الصنفين الذين أوردهما من الآيات غير مسوقين لبيان شيء من القاعدتين ، فإن الصنف الأول من الآيات مسوق لبيان أن الله سبحانه غير مغلوب في إرادته ، وأن الحق وهو الذي يرتضيه الله من المعارف الدينية غير مغلوب ، وأن حامله إذا حمله على الحق والصدق لم يكن مغلوبا البتة ، وعلى ذلك يدل قوله تعالى أولا: بأنهم ظلموا وإن الله على نصرهم لقدير ، وقوله تعالى ثانيا: الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق إلا أن يقولوا ربنا الله ، فإن الجملتين في مقام بيان أن المؤمنين سيغلبون أعداءهم لا لمكان التنازع وبقاء الأمثل الأقوى ، فإن الأمثل والأقوى عند الطبيعة هو الفرد القوي في تجهيزه الطبيعي دون القوي من حيث الحق والأمثل بحسب المعنى ، بل سيغلبون لأنهم مظلومون ظلموا على قول الحق والله سبحانه حق وينصر الحق في نفسه ، بمعنى أن الباطل لا يقدر على أن يدحض حجة الحق إذا تقابلا ، وينصر حامل الحق إذا كان صادقا في حمله كما ذكره الله بقوله: ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوي عزيز الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة"إلخ"، أي هم صادقون في قولهم الحق وحملهم إياه ثم ختم الكلام بقوله تعالى: ولله عاقبة الأمور ، يشير به إلى عدة آيات تفيد أن الكون يسير في طريق كماله إلى الحق والصدق والسعادة الحقيقية ، ولا ريب أيضا في دلالة القرآن على أن الغلبة لله ولجنده البتة كما يدل عليه قوله:"كتب الله لأغلبن أنا ورسلي": المجادلة - 21 ، وقوله تعالى:"و لقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين إنهم لهم المنصورون وإن جندنا لهم الغالبون:"الصافات - 173 ، وقوله تعالى:"و الله غالب على أمره": يوسف - 21. وكذا الآية الثانية التي أوردها أعني قوله تعالى: أنزل من السماء ماء فسالت أودية بقدرها"إلخ"، مسوقة لبيان بقاء الحق وزهوق الباطل سواء كان على نحو التنازع كما في الحق والباطل الذين هما معا من سنخ الماديات والبقاء بينهما بنحو التنازع ، أو لم يكن على نحو التنازع والمضادة كما في الحق والباطل الذين هما بين الماديات والمعنويات فإن المعنى ، ونعني به الموجود المجرد عن المادة ، مقدم على المادة غير مغلوب في حال أصلا ، فالتقدم والبقاء للمعنى على الصورة من غير تنازع ، وكما في الحق والباطل الذين هما معا من سنخ المعنويات والمجردات ، وقد قال تعالى:"و عنت الوجوه للحي القيوم": طه - 111 ، وقال تعالى:"له ما في السموات والأرض كل له قانتون:"البقرة - 116 ، وقال تعالى:"و أن إلى ربك المنتهى:"النجم - 42 ، فهو تعالى ، غالب على كل شيء ، وهو الواحد القهار.

وأما الآية التي نحن فيها أعني قوله تعالى: ولو لا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض الآية ، فقد عرفت أنها في مقام الإشارة إلى حقيقة يتكي عليه الاجتماع الإنساني الذي به عمارة الأرض ، وباختلاله يختل العمران وتفسد الأرض ، وهي غريزة الاستخدام الذي جبل عليه الإنسان ، وتأديتها إلى التصالح في المنافع أعني التمدن والاجتماع التعاوني ، وهذا المعنى وإن كان بعض أعراقه وأصوله التنازع في البقاء والانتخاب الطبيعي ، لكنه مع ذلك هو السبب القريب الذي يقوم عليه عمارة الأرض ومصونيتها عن الفساد ، فينبغي أن تحمل الآية التي تريد إعطاء السبب في عدم طروق الفساد على الأرض عليه لا على ما ذكر من القاعدتين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت