فهرس الكتاب

الصفحة 430 من 4314

و النظر الفلسفي الكلي في هذا الباب: أن أمر حدوث الحوادث المادية سواء كان من حيث أصل وجودها أو التبدلات والتغيرات الحادثة في أطراف وجودها يدور مدار قانون العلية والمعلولية ، فكل موجود من الموجودات المادية بما لها من الصورة الفعالة لنفع وجوده يوجه أثره إلى غيره ليوجد فيه صورة تناسب صورة نفسه ، وهذه حقيقة لا محيص عن الاعتراف بها عند التأمل في حال الموجودات بعضها مع بعض ، ويستوجب ذلك أن ينقص كل من كل لنفع وجود نفسه فيضم ما نقصه إلى وجود نفسه بنحو ، ولازم ذلك أن يكون كل موجود فعالا لإبقاء وجوده وحياته ، وعلى هذا صح أن يقال: إن بين الموجودات تنازعا في البقاء ، وكذلك لازم التأثير العلي أن يتصرف الأقوى في الأضعف بإفنائه لنفع نفسه أو بتغييره بنحو ينتفع به لنفسه ، وبذلك يمكن أن يوجه القانونان أعني: الانتخاب الطبيعي وتبعية المحيط ، فإن النوع لما كان تحت تأثير العوامل المضادة فإنما يمكنه أن يقاومها إذا كان قوي الوجود قادرا على الدفاع عن نفسه ، وكذلك الحال في أفراد نوع واحد ، إنما يصلح للبقاء منها ما قوي وجوده قبال المنافيات والأضداد التي تتوجه إليه ، وهذا هو الانتخاب الطبيعي وبقاء الأمثل ، وكذا إذا اجتمعت عدة كثيرة من العوامل ثم اتحدت أكثرها أو تقاربت من حيث العمل فلا بد أن يتأثر منها الموجود الذي توسط بينها الأثر الذي يناسب عملها ، وهذا هو تبعية المحيط.

ومما يجب أن يعلم: أن أمثال هذه النواميس أعني: تبعية المحيط وغيرها إنما يؤثر فيما صح أن يؤثر ، في عوارض وجود الشيء ولواحقه ، وأما نفس الذات بأن يصير نوعا آخر فلا ، لكن القوم حيث كانوا لا يقولون بوجود الذات الجوهري بل يبنون البحث على أن كل موجود مجموع من العوارض المجتمعة الطارئة على المادة ، وبذلك يمتاز نوع من نوع ، وبالحقيقة لا نوع جوهري يباين نوعا جوهريا آخر ، بل جميع الأنواع تتحلل إلى المادة الواحدة نوعا المختلفة بحسب التراكيب المتنوعة ، ومن هنا تراهم يحكمون بتبدل الأنواع وبتبعية المحيط أو تأثير سائر العوامل الطبيعية ولا يبالون بتبدل الذات فيها ، وللبحث ذيل ممتد سيمر بك إن شاء الله تفصيل القول فيه.

ونرجع إلى أول الكلام فنقول: ذكر بعض المفسرين: أن قوله تعالى ، ولو لا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض ولكن الله ذو فضل على العالمين الآية إشارة إلى قانوني تنازع البقاء والانتخاب الطبيعي.

قال: ويقرر ذلك قوله تعالى:"أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وإن الله على نصرهم لقدير الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق إلا أن يقولوا ربنا الله ولو لا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد يذكر فيها اسم الله كثيرا ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوي عزيز الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر ولله عاقبة الأمور": الحج - 41 ، فهذا إرشاد إلى تنازع البقاء والدفاع عن الحق ، وأنه ينتهي ببقاء الأمثل وحفظ الأفضل.

ومما يدل على هذه القاعدة من القرآن المجيد قوله تعالى:"أنزل من السماء ماء فسالت أودية بقدرها فاحتمل السيل زبدا رابيا ومما يوقدون عليه في النار ابتغاء حلية أو متاع زبد مثله كذلك يضرب الله الحق والباطل فأما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض كذلك يضرب الله الأمثال:"الرعد - 17 ، فهو يفيد أن سيول الحوادث وميزان التنازع تقذف زبد الباطل الضار في الاجتماع وتدفعه وتبقى إبليز الحق النافع الذي ينمو فيه العمران ، وإبريز المصلحة التي يتحلى به الإنسان ، انتهى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت